رأي

شمال دارفور.. معركة التمثيل أم معركة اختطاف القرار؟

نجم الدين دريسة

 

 

نجم الدين دريسة 

العدالة تبدأ بالاعتراف بالحقوق وتنتهي بحماية كرامة الجميع دائماً.

ليست قضية شمال دارفور اليوم قضية تعيينات إدارية مؤجلة، ولا مجرد مطالبات تتعلق باستكمال هياكل الحكم أو سد فراغات تنفيذية عابرة، بل هي قضية تتصل بجوهر مشروع التغيير نفسه، وبمدى التزام مؤسساته بالمبادئ التي قامت عليها الثورة والتضحيات التي قدمتها الجماهير السودانية في سبيل بناء دولة جديدة تقوم على العدالة والمساواة والمشاركة المتوازنة.

إن ما طرحه الأستاذ عبدالله جمعة النور، رئيس اتحاد المهنيين والنقابات بتحالف تأسيس، يعكس جزءاً من واقع مؤلم لا يمكن إنكاره أو تجاوزه. فشمال دارفور، التي ظلت في قلب الأحداث والتحولات الكبرى، وقدمت من التضحيات ما يجعلها في مقدمة المستحقين للإنصاف، تجد نفسها اليوم أمام حالة من التهميش والإقصاء غير المبرر، وكأن كل ما قدمته من تضحيات قد أصبح خارج حسابات بعض دوائر القرار.

لقد دفعت الولاية أثماناً باهظة خلال سنوات الحرب. تعرضت مدنها وقراها ومرافقها الحيوية للقصف والتدمير، وتشرد أهلها وتحملوا أعباء النزوح وفقدان الخدمات وانهيار البنى التحتية، ومع ذلك لم تتراجع إرادة مواطنيها عن دعم مشروع التغيير وبناء السودان الجديد. بل كانت شمال دارفور من أوائل المناطق التي شرعت في تأسيس الإدارات المدنية وترتيب أوضاعها التنظيمية رغم الظروف الاستثنائية التي كانت تمر بها.

غير أن ما يثير القلق الحقيقي ليس فقط استمرار الفراغ الإداري والتنفيذي، وإنما المؤشرات المتزايدة التي توحي بوجود قوى ومجموعات تستفيد بصورة مباشرة من غياب السلطة المدنية ومن استمرار حالة الضبابية المؤسسية داخل الولاية.

فالتجربة أثبتت أن الفراغ لا يبقى فراغاً، وإنما يتحول دائماً إلى مساحة مفتوحة لتمدد النفوذ الشخصي والمصالح الخاصة ومراكز القوى غير الخاضعة للمساءلة. وكلما تأخر قيام المؤسسات المدنية الشرعية اتسعت مساحة النفوذ الفردي وتراجعت فرص بناء دولة القانون والمؤسسات.

ومن هنا تبرز الأسئلة المشروعة التي يجب أن تجد إجابات واضحة وصريحة: لماذا تأخر استكمال مؤسسات الحكم في شمال دارفور؟ ولماذا ظلت بعض القرارات الصادرة عن الجهات المختصة دون تنفيذ فعلي على الأرض؟ ومن المستفيد الحقيقي من استمرار هذا الوضع المختل؟

إن المعلوم لدى الكثيرين أن حكومة الإقليم كانت قد اتخذت خطوات واضحة لمعالجة بعض الاختلالات الإدارية، بما في ذلك تكليف أمين لحكومة الولاية وفق الإجراءات المعتمدة. غير أن ما حدث بعد ذلك كشف عن أزمة أعمق من مجرد خلافات إدارية، عندما قوبلت تلك الترتيبات بعدم التعاون، بل وباستمرار بعض الجهات في ممارسة أدوار وسلطات خارج الأطر التي حددتها المؤسسات المختصة.

لقد آثرنا الصمت لفترة طويلة حرصاً على وحدة الصف، وإيماناً بأن المعالجة المؤسسية الهادئة هي الطريق الأمثل لتجاوز الخلافات. لكن الصمت لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية عندما يصبح التجاوز قاعدة، وعندما تتحول الاستثناءات إلى واقع دائم يهدد مصداقية مشروع التغيير نفسه.

إن غياب شمال دارفور عن التمثيل الكامل والعادل داخل مجلس الأقاليم يطرح علامات استفهام كبيرة حول الكيفية التي أُدير بها هذا الملف. فولاية بهذا الحجم والثقل والتنوع لا يمكن أن تسقط سهواً من معادلة التمثيل، ولا يمكن تفسير الأمر باعتباره مجرد خطأ إداري عابر. ما حدث يستوجب مراجعة جادة ومحاسبة شفافة، لأن العدالة السياسية لا تتجزأ، وتمثيل الولايات ليس منحة من أحد، بل حق أصيل تكفله مبادئ المشاركة المتساوية.

كما أن من الخطأ الفادح اختزال مفهوم النضال في الامتيازات والمكاسب الشخصية. فالتاريخ يعلمنا أن المناضلين الحقيقيين لا يقاتلون من أجل المناصب، ولا يضحون من أجل النفوذ، ولا يقدمون التضحيات بحثاً عن المقابل. النضال الحقيقي هو ذلك الذي ينحاز إلى الناس وإلى حقوقهم وإلى مستقبل الأجيال القادمة.

ولهذا فإننا نقول بوضوح لأصحاب الأجندات الذاتية الضيقة: ابحثوا عن مشاريعكم الخاصة بعيداً عن مشروع التغيير الوطني. فالسودانيون الذين قدموا التضحيات الجسام لم يفعلوا ذلك من أجل استبدال مركز هيمنة بآخر، ولا من أجل إحلال وكلاء جدد محل وكلاء الاستعمار الذين حكموا البلاد لعقود طويلة.

إن جوهر مشروع تأسيس هو بناء دولة جديدة تُدار عبر المؤسسات لا عبر الأشخاص، وتحكمها القوانين لا العلاقات، وتستند إلى العدالة لا إلى موازين القوة المؤقتة. وأي محاولة للالتفاف على هذه المبادئ تمثل تهديداً مباشراً للمشروع بأكمله مهما كانت المبررات والشعارات التي ترفعها.

إننا نأمل أن يصل هذا الصوت عالياً إلى قيادة المجلس الرئاسي ورئاسة الوزراء والهيئة القيادية لتحالف تأسيس ومجلس الأقاليم، وأن يتم التعامل مع هذه القضية بالجدية التي تستحقها. فالمطلوب اليوم ليس بيانات تطمين أو وعوداً مؤجلة، وإنما قرارات عملية تعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، وتستكمل مؤسسات الحكم، وتضمن التمثيل العادل، وتنهي حالة الفراغ التي أضرت بالولاية وأهلها.

إن شمال دارفور لم تطلب امتيازاً خاصاً، ولم تسع إلى معاملة استثنائية، وإنما تطالب بحقوقها المشروعة التي لا يجوز المساومة عليها أو تأجيلها.

وسيبقى موقفنا ثابتاً وواضحاً: لا للتهميش، لا للاحتكار، لا لاختطاف المؤسسات، ولا لتحويل مشروع التغيير إلى منصة للمصالح الفردية.

فالعدالة التي لا تصل إلى شمال دارفور ليست عدالة مكتملة، والدولة التي تُقصي إحدى أهم ولاياتها لا تستطيع أن تدعي أنها تمثل الجميع.

لقد حان وقت الإنصاف.

وحان وقت الحقيقة.

وحان وقت أن تعود المؤسسات إلى أصحابها، ويعود القرار إلى الشعب الذي دفع ثمن هذا التغيير من دمه وعرقه ومستقبله.

دريسة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!