
إيمان التجاني
في كل مرة يظن فيها السودانيون أن المشهد بلغ ذروة العبث، يخرج علينا الإسلامويون بدعوة جديدة تؤكد أن خيالهم السياسي ما زال أكثر اتساعًا من الواقع. دعوة للخروج يوم 13 ديسمبر، في ذكرى ثورة الشعب السوداني، ليست احتفاءً بها بالطبع، بل محاولة يائسة لسرقة التاريخ أو تشويهه أو استخدامه كديكور لمسرحية رديئة الإخراج.
من يسرق التاريخ يعجز دائمًا عن صناعة المستقبل
اختيار يوم الثورة لم يكن بريئًا ولا ذكيًا. فالذين خرج الشعب لإسقاطهم لا يمكنهم اليوم الادعاء بأنهم أوصياء على ذكراه. تغيير الشعارات لا يغيّر الوقائع، ومحاولة القفز فوق ذاكرة السودانيين تكشف أزمة عميقة في الوعي السياسي لدى الإسلامويين.
اللافت أن الدعوة لا تقتصر على الداخل، بل تمتد إلى “كل عواصم العالم”. وكأن الحركة التي عجزت عن حشد شارع واحد دون ترهيب، قررت فجأة مخاطبة البشرية جمعاء، متناسية كيف يُنظر إلى الإسلام السياسي في الخارج بعد كل ما خلّفه من دمار.
أخطر ما في الفوضى أن يقدمها صانعوها في ثوب الاحتجاج
يتراجع الضحك حين تتوالى التقارير عن رصد خلايا إسلامية في عدد من الولايات تقوم بشراء الوقود والقوارير الزجاجية ومواد شديدة الانفجار قبل المسيرات المعلنة. هنا يصبح الحديث عن “خروج جماهيري” باعثًا على القلق، لأن التجربة السودانية علّمت الناس أن بعض هذه الدعوات لا تُقاس بالهتافات، بل بما يليها من فوضى.
المواطن البسيط، المنهك من الحرب وغلاء المعيشة، لا تعنيه كثيرًا فرضية أن تكون هذه الدعوة جزءًا من ألعاب البرهان أو محاولة لتصفية حسابات داخلية. ما يريده فقط أن يمر يوم الثورة دون حريق جديد أو دم إضافي.
حين يفقد الخطاب معناه لا يبقى سوى الضجيج
في الخارج، تبدو الدعوة بلا مضمون. أي سوداني في المهجر سيقف في عاصمة أوروبية ليهتف دفاعًا عن حركة ارتبط اسمها بالقمع والحروب؟ وأي رسالة يُراد إيصالها للمجتمع الدولي عبر تظاهرة تحمل كل هذا التناقض؟
في المحصلة، تكشف هذه الدعوة عن انفصال كامل عن الواقع. الإسلامويون لا يسمعون صوت الشارع، ولا يعترفون بالهزيمة، ولا يدركون أن الثورة التي يحاولون استعارة تاريخها خرجت أصلًا ضدهم. وما دام الخطاب بلا معنى، فلن ينتج سوى ضجيج… سرعان ما يخفت.




