رأي

التعليم في لحظة التأسيس: تهنئة للبروفيسور عيد إبراهيم بريمة ورهان السودان الجديد

بروفيسور خالد كودي، بوسطن

 

بروفيسور خالد كودي، بوسطن

بدايةً، أرحب بتعيين البروفيسور عيد إبراهيم بريمة في موقعه الجديد، وأتمنى له تجربة حافلة بالنجاح والإنجاز. غير أن أهمية هذا التعيين لا تكمن فقط في الشخص أو المنصب، بل في طبيعة اللحظة التاريخية التي يأتي فيها. فالسودان يقف اليوم أمام واحدة من أهم مراحل تاريخه الحديث: مرحلة تأسيس دولة جديدة، الأمر الذي يجعل من التعليم قضية استراتيجية تتجاوز حدود الإدارة الأكاديمية اليومية لتصبح جزءاً من مشروع إعادة بناء الوطن نفسه.

إن الدول تُبنى مرتين: مرة بالسلاح والسياسة حين تتغير موازين القوة، ومرة بالتعليم حين يُعاد تشكيل وعي الأجيال الجديدة. وإذا كانت الحرب قد كشفت انهيار النموذج القديم للدولة السودانية، فإن التعليم سيكون أحد أهم الميادين التي سيُحسم فيها مستقبل السودان الجديد العلماني الديمقراطي واللامركزي.

أزمة التعليم العالي في السودان القديم:

لم يكن التعليم العالي في السودان مؤسسة محايدة. فمنذ نشأة الدولة الحديثة ارتبطت الجامعات إلى حد كبير بإعادة إنتاج النخب التي حكمت البلاد أكثر مما ارتبطت بإعادة توزيع المعرفة والفرص بين المواطنين.

ورغم الإنجازات الأكاديمية التي حققتها بعض المؤسسات التعليمية، ظل النظام التعليمي بمجمله يكرس ويعكس التفاوتات التاريخية بين المركز والهامش. فقد تركزت الموارد والفرص والبنى التحتية في مناطق بعينها، بينما ظلت أقاليم واسعة تعاني ضعف المؤسسات التعليمية أو غيابها الكامل.

كما أن المناهج في كثير من الأحيان لم تُصمم لإنتاج مواطن نقدي حر، بل لإعادة إنتاج سردية أحادية عن الدولة والمجتمع والثقافة والتاريخ. وتم خلال عقود طويلة تحميل المناهج بمضامين أيديولوجية ودينية جعلت التعليم أقرب إلى أداة للتلقين منه إلى فضاء للبحث الحر وإنتاج المعرفة.

ولهذا يمكن القول إن جزءاً مهماً من أزمة السودان السياسية والاجتماعية كان انعكاساً مباشراً لأزمة تعليمية عميقة. فالنظام التعليمي لم ينجح في بناء ثقافة المواطنة المتساوية، ولا في ترسيخ الاعتراف بالتعدد القومي والثقافي والديني، ولا في تدريب الأجيال على التفكير النقدي وإدارة الاختلاف.

التعليم ومهام التأسيس:

إذا كان مشروع السودان الجديد يقوم على مبادئ المواطنة المتساوية والعلمانية والديمقراطية والعدالة التاريخية واللامركزية، فإن النظام التعليمي يجب أن يُعاد تصميمه ليخدم هذه المبادئ.

التعليم ليس قطاعاً خدمياً فحسب، بل هو المؤسسة التي تنتج المواطن الذي ستقوم عليه الدولة الجديدة.

ولهذا فإن السؤال المركزي ليس: كيف نعيد فتح الجامعات؟

بل: أي نوع من المواطنين نريد أن تنتجه هذه الجامعات؟

هل نريد خريجاً يحفظ النصوص ويكررها؟

أم مواطناً قادراً على التفكير النقدي والإبداع والمساءلة والمشاركة الديمقراطية؟

باولو فريري والتعليم بوصفه تحريراً:

يُعد المفكر التربوي البرازيلي من أهم من تناولوا العلاقة بين التعليم والتحرر.

انتقد فريري ما أسماه “التعليم البنكي”، حيث يتعامل المعلم مع الطلاب كخزائن فارغة يتم إيداع المعلومات فيها. ورأى أن هذا النموذج يخدم الأنظمة السلطوية لأنه ينتج أفراداً مطيعين لا مواطنين أحراراً.

في المقابل دعا إلى تعليم حواري نقدي يساعد المتعلمين على فهم واقعهم وتحليله وتغييره.

وهذه الفكرة تكتسب أهمية خاصة في السودان، لأن مهمة التعليم ليست فقط نقل المعرفة، بل مساعدة المجتمع على فهم جذور أزماته التاريخية المتعلقة بالسلطة والهوية والثروة والثقافة.

دروس من الدول الخارجة من الهوس والاستبداد:

تُظهر تجارب التحول الديمقراطي أن إعادة بناء التعليم كان دائماً جزءاً من إعادة بناء الدولة.

بعد سقوط نظام فرانشيسكو فرانكو في إسبانيا، أُعيدت مراجعة المناهج التي كانت تمجد القومية الأحادية والسلطة المركزية.

وفي جنوب افريقيا بعد نهاية نظام الفصل العنصري، جرى إعادة بناء للمناهج لتشمل تاريخ جميع المجموعات السكانية وتكريس قيم المساواة وحقوق الإنسان.

اما في المانيا بعد النازية، فقد أصبح التعليم أداة رئيسية لمواجهة الفكر الشمولي وتعزيز الديمقراطية والثقافة النقدية، وهي الحالة الأقرب الي واقعنا في السودان- وسنكتب المزيد عن هذه التجربة.

وفي كل هذه الحالات لم يُنظر إلى التعليم باعتباره مسألة فنية محايدة، بل باعتباره مشروعاً سياسياً وأخلاقياً لإعادة بناء المجتمع.

نحو استراتيجية تعليم للسودان الجديد:

إن بناء استراتيجية تعليمية جديدة يتطلب الانتقال من نموذج السودان القديم إلى نموذج السودان الجديد عبر مجموعة من المبادئ الأساسية في اعتقادنا، أهمها:

أولاً: تأسيس نظام تعليمي علماني بوضوح، يقوم على حياد الدولة تجاه الأديان ويضمن المساواة الكاملة بين جميع المواطنين.

ثانياً: إعادة كتابة المناهج الوطنية لتشمل تاريخ وثقافات ولغات جميع شعوب السودان دون استثناء.

ثالثاً: تحويل التعليم من التلقين إلى التفكير النقدي والبحث العلمي وحل المشكلات.

رابعاً: ربط الجامعات بمشروعات إعادة الإعمار والتنمية والسلام وبناء المؤسسات.

خامساً: إعطاء أولوية خاصة للمناطق المتأثرة بالحرب والتهميش عبر سياسات تمييز إيجابي تقوم علي العدالة التاريخية

سادساً: توسيع التعليم التقني والمهني وربطه باحتياجات الاقتصاد وإعادة البناء

سابعاً: دمج دراسات السلام والعدالة الانتقالية والعدالة التاريخية وحقوق الإنسان في المناهج

ثامناً: الاستثمار في تدريب المعلمين باعتبارهم حجر الأساس لأي إصلاح تعليمي

تاسعاً: تعزيز استقلال الجامعات وحمايتها من الهيمنة الحزبية والعسكرية والأيديولوجية

عاشراً: تطوير شراكات دولية مع الجامعات ومراكز البحث الرائدة لنقل المعرفة وبناء القدرات

خاتمة:

إن التحدي الحقيقي أمام قيادات التعليم في السودان الجديد لا يتمثل في إدارة الجامعات كما كانت، بل في المساهمة في بناء نظام معرفي جديد يساعد على تأسيس دولة جديدة.

فالسودان لا يحتاج فقط إلى إعادة بناء الطرق والجسور والمؤسسات، بل يحتاج إلى إعادة بناء العقل العام نفسه.

ولهذا فإن نجاح مشروع التأسيس سيقاس في نهاية المطاف ليس بعدد الاتفاقيات السياسية التي تُوقّع، بل بنوعية المواطن الذي تنتجه المدارس والجامعات.

فالدولة الجديدة تبدأ في قاعات الدراسة قبل أن تكتمل في قصور الحكم.

مقترحات عاجلة لاستراتيجية التعليم في السودان الجديد:

– إنشاء “المجلس الوطني لإعادة تأسيس التعليم” يضم تربويين وأكاديميين وممثلين للأقاليم

– مراجعة شاملة لكل المناهج خلال فترة انتقالية محددة

– اعتماد التعدد اللغوي في المراحل الأولى من التعليم

– إطلاق برنامج وطني لمحو الأمية الرقمية-

– إنشاء جامعات إقليمية متخصصة مرتبطة بموارد كل إقليم واحتياجاته

– تخصيص منح واسعة للطلاب من المناطق المتأثرة بالحرب

– تأسيس مراكز بحث وطنية للسلام وإدارة التنوع وإعادة الإعمار

– إدماج الفنون والثقافة والابتكار بوصفها أدوات لبناء المواطنة والتماسك الاجتماعي

– إنشاء برامج لإعداد القيادات الشابة في الإدارة العامة والسياسات العامة

– ربط التعليم بمشروع وطني طويل الأمد للتحول العلماني الديمقراطي والتنمية المستدامة

المزيد سياتي.

النضال مستمر والنصر اكيد.

(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!