رأي

مرايا التيه وفجر الخلاص: التعليم والإعلام في السودان بين تمزيق الهوية وبناء الذاكرة الموحدة

 هشام محمد شريف

 

 هشام محمد شريف

في وطنٍ يمتد بين مجرى النيل وفضاءات السافنا والصحراء، تشكل السودان عبر قرون طويلة بوصفه ملتقىً للثقافات والحضارات والأعراق واللغات. وقد كان من الممكن لهذا التنوع الاستثنائي أن يصنع نموذجاً فريداً للدولة الوطنية الحديثة القائمة على الاعتراف بالتعدد والاحتفاء بالاختلاف، غير أن مسار التاريخ السوداني اتخذ في كثير من مراحله اتجاهاً مغايراً؛ إذ تحولت عناصر الثراء الثقافي إلى بؤر للتوتر والصراع، وأصبحت أدوات بناء الأمة نفسها منابر لإعادة إنتاج الانقسام والتشظي.

وفي قلب هذه المعادلة يقف التعليم والإعلام باعتبارهما المؤسستين الأكثر تأثيراً في تشكيل الوعي الجمعي وصياغة الهوية الوطنية. فمن خلالهما تُبنى الذاكرة أو تُشوَّه، وتتجذر قيم المواطنة أو تتآكل، ويُصنع المستقبل أو يُعاد إنتاج أزمات الماضي.

التعليم والإعلام: من أدوات للبناء إلى وسائل للإقصاء

من الصعب فهم الأزمة السودانية المعاصرة دون الوقوف عند الدور الذي لعبته المؤسسات التعليمية والإعلامية منذ فجر الاستقلال. فقد ورث السودان نظاماً تعليمياً صُمم في الأصل لخدمة الإدارة الاستعمارية أكثر من كونه مشروعاً وطنياً لبناء الإنسان. وبدلاً من إعادة صياغته ليعكس التعدد السوداني الواسع، جرى توظيفه في كثير من الأحيان لترسيخ رؤية أحادية للهوية والثقافة والتاريخ.

لقد غابت عن المناهج الدراسية روايات شعوب وأقاليم كاملة، وتراجع حضور اللغات والثقافات المحلية لصالح تصور ضيق للوطن، الأمر الذي خلق لدى قطاعات واسعة شعوراً بالتهميش والاغتراب داخل الدولة التي يفترض أنها تمثلهم جميعاً. وهكذا لم يعد التعليم مجرد وسيلة لاكتساب المعرفة، بل تحول ــ من حيث لا يدري أو يدري القائمون عليه ــ إلى أداة لإعادة إنتاج التفاوتات الثقافية والاجتماعية.

أما الإعلام، فقد سار في المسار ذاته. فبدلاً من أن يكون مرآةً للمجتمع بكل تنوعه، ظل في فترات طويلة أسيراً لخطاب المركز ورؤية السلطة. وغابت عنه القدرة على تمثيل الهامش والاستماع لأصواته، كما افتقد في كثير من المحطات إلى دوره التنويري الجامع. وبدلاً من بناء الجسور بين السودانيين، أسهم أحياناً في تعميق الانقسامات عبر خطاب التعبئة والاستقطاب وشيطنة الآخر.

وعندما تتلاقى مدرسة تُقصي التنوع مع إعلام يُقصي الروايات المختلفة، تكون النتيجة الحتمية هي إنتاج أجيال عاجزة عن رؤية الوطن بوصفه فضاءً مشتركاً، وقابلة للانخراط في صراعات الهوية والانتماء التي مزقت السودان لعقود طويلة.

انهيار المؤسسات وضياع البوصلة الوطنية

تواجه البلاد اليوم واحدة من أخطر لحظاتها التاريخية. فالحرب لم تدمر البنية التحتية فحسب، بل ضربت في الصميم المؤسسات المسؤولة عن صناعة المستقبل.

أغلقت المدارس والجامعات أبوابها في مناطق واسعة، وتحولت بعض المؤسسات التعليمية إلى ملاجئ أو مقار عسكرية أو مبانٍ مهجورة. وما يبدو للوهلة الأولى أزمة تعليمية هو في حقيقته أزمة وجودية تمس مستقبل الدولة نفسها. فكل عام دراسي يُفقد هو جزء من رأس المال البشري للأمة، وكل طفل يُحرم من التعليم يصبح أكثر عرضة للجهل والفقر والعنف والاستقطاب.

وفي الوقت ذاته، يعيش المجال الإعلامي حالة من الفوضى غير المسبوقة. فقد أطلقت الثورة الرقمية إمكانات هائلة للتواصل، لكنها أتاحت أيضاً انتشار الأخبار المضللة وخطابات الكراهية والدعاية السياسية المنظمة. وفي ظل غياب إعلام وطني مهني قوي، تحولت المنصات الإعلامية في كثير من الأحيان إلى ساحات للصراع بدلاً من أن تكون منصات للحوار والتفاهم.

إن أخطر ما يهدد السودان اليوم ليس فقط الدمار المادي، بل تفكك الوعي الوطني ذاته، عندما يفقد المواطن ثقته في المعرفة، ويصبح أسيراً للروايات المتصارعة والهويات المتناحرة.

نحو هوية جامعة وذاكرة وطنية موحدة

إن تجاوز حالة التيه الراهنة يتطلب مشروعاً وطنياً جديداً يعيد تعريف دور التعليم والإعلام باعتبارهما ركيزتين لإعادة بناء الدولة والمجتمع.

أولاً: تعليم يعترف بالتعدد ويصنع المواطنة

ينبغي أن تصبح المدرسة السودانية فضاءً جامعاً لكل أبناء الوطن، لا ساحةً لإعادة إنتاج الانقسامات. ويتطلب ذلك تطوير مناهج حديثة تعكس حقيقة السودان بوصفه وطناً متعدد الثقافات والأعراق واللغات، وتقدم التاريخ الوطني باعتباره سردية مشتركة شاركت في صناعتها جميع الشعوب السودانية.

كما يجب أن يرسخ التعليم قيم المواطنة المتساوية، واحترام التنوع، وثقافة الحوار، وحقوق الإنسان، بحيث ينشأ الطالب وهو يرى في اختلاف الآخرين مصدر قوة لا سبباً للعداء.

ثانياً: إعلام وطني يصنع السلام

السودان بحاجة إلى إعلام مهني مستقل يؤمن بأن رسالته الأساسية ليست الانحياز للأطراف، بل الانحياز للحقيقة والوطن. إعلام يذهب إلى الأطراف كما يذهب إلى المركز، ويمنح الجميع حق الظهور والتعبير، ويعمل على توثيق الذاكرة الوطنية بكل آلامها وإنجازاتها.

إن الإعلام المطلوب في مرحلة ما بعد الحرب هو إعلام يبني الثقة بين المواطنين، ويعيد الاعتبار للحقائق، ويقاوم الكراهية، ويحول التنوع من عامل صراع إلى مصدر قوة وطنية.

ثالثاً: ربط المعرفة بالتنمية

لا يمكن بناء هوية مستقرة في مجتمع يعاني الفقر والتهميش والبطالة. ولذلك فإن إصلاح التعليم يجب أن يرتبط مباشرة بمشروعات التنمية المستدامة، من خلال التوسع في التعليم التقني والمهني، وتشجيع البحث العلمي، والاستثمار في الموارد البشرية.

فالشباب الذين يجدون فرصاً للإبداع والعمل والإنتاج يصبحون بناةً للمستقبل، لا وقوداً للحروب والصراعات.

العودة إلى الذات السودانية

إن السودان ليس مجرد حدود جغرافية أو كيان سياسي، بل هو فكرة حضارية عميقة تشكلت عبر قرون من التفاعل الإنساني والثقافي. وهذه الفكرة لا يمكن أن تستعيد عافيتها إلا عبر مصالحة وطنية شاملة تبدأ من العقل والوجدان قبل أن تصل إلى مؤسسات الحكم.

فالمعركة الحقيقية التي يخوضها السودانيون اليوم ليست فقط في ميادين القتال، وإنما في الفصول الدراسية وقاعات الجامعات وغرف الأخبار ومنصات الإعلام. هناك حيث تتشكل العقول، وتُصنع التصورات، وتُرسم ملامح المستقبل.

لقد آن الأوان لأن نتوقف عن تمزيق هوياتنا بأيدينا، وأن نبدأ في نسج مشروع وطني جديد يتسع للجميع، قوامه التعليم المستنير والإعلام المسؤول، وهدفه بناء دولة يسودها السلام وتحركها التنمية وتجمعها ذاكرة وطنية لا تنكر الجراح، لكنها تتجاوزها نحو أفق أرحب من التعايش والعدالة.

فالوطن لا يُبنى بالسلاح وحده، بل يُبنى بالفكرة التي توحد أبناءه، وبالكلمة التي تجمعهم، وبالمعرفة التي تفتح أمامهم طريق المستقبل.

فهل يكون التعليم والإعلام بداية الخلاص من التيه، أم نستمر في الدوران داخل مراياه المكسورة؟هذه النسخة أكثر قوة من حيث اللغة، وأكثر تماسكاً في البناء الفكري، وأقرب إلى أسلوب المقالات الفكرية الرصينة المنشورة في الصحف والمجلات المتخصصة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!