رأي

حادثة بلفاست تكشف وجهاً آخر للحرب

إيمان بدر الدين

 

إيمان بدر الدين

ليست كل الحروب محصورة داخل حدود الجغرافيا، فبعضها يتمدد عبر الأفكار والشبكات والأيديولوجيات حتى يبلغ أقصى بقاع الأرض. وما شهدته مدينة بلفاست الإيرلندية أخيراً أعاد إلى الواجهة أسئلة ظلت مطروحة منذ اندلاع الحرب السودانية: إلى أي مدى ساهمت الجماعات المتشددة في تحويل الصراع السوداني إلى قضية تتجاوز حدود السودان؟

الحادثة التي تصدرت وسائل الإعلام الغربية لم تُقرأ هناك باعتبارها فعلاً فردياً معزولاً، بل باعتبارها جزءاً من سياق أوسع يتعلق بالتطرف والعنف العابر للحدود. ولهذا فإن الجدل الذي صاحب الكشف عن هوية المتهم والخلفيات المتداولة بشأنه لم يكن مجرد نقاش سوداني داخلي، بل تحول إلى مادة للنقاش الأمني والسياسي في أوروبا نفسها.

لقد ظلت الحركة الإسلامية السودانية، منذ عقود، مرتبطة في أذهان كثير من المراقبين بمشروعات سياسية وأمنية عابرة للحدود. وخلال سنوات حكمها الطويلة تعرض السودان لعزلة دولية قاسية نتيجة اتهامات تتعلق بإيواء جماعات متشددة وفتح البلاد أمام شبكات ذات ارتباطات إقليمية ودولية. واليوم يعود هذا التاريخ ليطرح نفسه من جديد كلما برزت حادثة تحمل مؤشرات مشابهة أو تثير المخاوف ذاتها.

الأخطر من ذلك أن استمرار الحرب يوفر البيئة المثالية لازدهار الأفكار المتطرفة. فكل حرب طويلة تضعف مؤسسات الدولة، وتخلق فراغاً أمنياً، وتزيد من معدلات التعبئة الأيديولوجية، وتفتح الباب أمام استغلال الشباب والفئات الهشة في مشاريع لا علاقة لها بمصالح الوطن ولا بمستقبل مواطنيه.

كما أن التداعيات لا تتوقف عند حدود السودان. فملايين السودانيين الذين شردتهم الحرب يبحثون اليوم عن الأمان في دول الجوار وأوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا. وأي حادثة ترتبط بالعنف أو التطرف قد تتحول إلى ذريعة تستخدمها تيارات اليمين المتطرف لتشويه صورة اللاجئين السودانيين وخلق مناخ عدائي تجاههم، رغم أن هؤلاء اللاجئين هم في الأصل ضحايا للحرب وليسوا صناعاً لها.

إن القضية الحقيقية ليست حادثة فردية هنا أو واقعة أمنية هناك، بل المشروع الذي يستثمر في استمرار الحرب ويحول معاناة السودانيين إلى وقود لصراعات لا تنتهي. فكل يوم إضافي من القتال يعني مزيداً من الانهيار، ومزيداً من التشظي، ومزيداً من الفرص أمام دعاة التطرف والعنف.

لقد آن الأوان لإدراك حقيقة واضحة: إن معركة السودانيين ليست فقط ضد الحرب، بل ضد كل مشروع يريد اختطاف الدولة والمجتمع لمصلحة الأيديولوجيا والسلاح. والسلام ليس مجرد وقف لإطلاق النار، بل هو الطريق الوحيد لإنقاذ السودان من أن يتحول إلى ساحة مفتوحة للفوضى والتطرف وتصدير الأزمات إلى العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!