
عبدالعزيز بخات
في كل مرحلة من مراحل الأزمات التي يمر بها السودان، تعود إلى السطح أصوات تدعو إلى الانفصال أو إعادة رسم الحدود الجغرافية للبلاد، وكأن المشكلة الحقيقية تكمن في شكل الخريطة لا في طريقة إدارة الدولة. وتُطرح هذه الدعوات أحياناً باعتبارها مخرجاً للأزمات المتراكمة، بينما تكشف التجارب القريبة والبعيدة أن تقسيم الأوطان لا يؤدي بالضرورة إلى إنهاء النزاعات أو تحقيق الاستقرار أو بناء السلام المستدام.
وقبل الانجرار وراء أي دعوات جديدة لتجزئة السودان، يجدر بنا أن نتوقف أمام تجربة الانفصال الأولى بكل شجاعة وموضوعية. فالسؤال الذي ينبغي أن يواجه الجميع هو: ماذا حقق الانفصال من سلام واستقرار وتنمية؟ وهل اختفت أسباب الصراع والتهميش والفقر بمجرد تغيير الحدود السياسية؟ أم أن الأزمات استمرت بأشكال مختلفة، وانتقلت من مرحلة إلى أخرى دون معالجة حقيقية لجذورها؟
إن الوقائع تؤكد أن أزمة السودان لم تكن يوماً أزمة مساحة جغرافية، ولم تكن أزمة تنوع عرقي أو ثقافي أو ديني. بل إن السودان، على امتداد تاريخه، كان نموذجاً فريداً للتعدد الإنساني والثقافي، وكان يمكن لهذا التنوع أن يكون مصدر قوة وإثراء لو أُدير ضمن مشروع وطني عادل وشامل.
فالتنوع ليس عبئاً على الدول، بل هو أحد أهم مصادر قوتها. والدول الحديثة لم تنهض لأنها متجانسة بالكامل، وإنما لأنها نجحت في بناء نظم سياسية وقانونية تضمن العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص بين مواطنيها. ولذلك فإن المشكلة لم تكن في تعدد المكونات السودانية، بل في غياب الإدارة الرشيدة لهذا التعدد، وفي فشل النخب السياسية المتعاقبة في بناء دولة المواطنة التي تتسع للجميع.
لقد عانى السودان لعقود طويلة من سياسات الإقصاء والاحتكار والتمييز وغياب العدالة في توزيع السلطة والثروة والخدمات. ولم تكن تلك السياسات نتاجاً للطبيعة الجغرافية للبلاد، وإنما نتيجة مباشرة لأخطاء بشرية وخيارات سياسية خاطئة كرّست التفاوت وأضعفت الثقة بين الدولة ومواطنيها.
كما دفعت البلاد ثمناً باهظاً بسبب تغليب المصالح الحزبية والشخصية على المصلحة الوطنية. فكثيراً ما تحولت السلطة من وسيلة لخدمة المواطنين إلى غاية في حد ذاتها، وأصبحت المنافسة السياسية صراعاً على النفوذ بدلاً من أن تكون تنافساً حول البرامج والرؤى والمشروعات الوطنية.
إن المأساة السودانية لم تكن فقط في الحروب التي اندلعت، بل في العقلية التي أنتجت تلك الحروب؛ عقلية الشخصنة وتقديس الأفراد وإضعاف المؤسسات واستبدال حكم القانون بحكم الولاءات الضيقة. وعندما تضعف المؤسسات وتتراجع المساءلة وتغيب العدالة، يصبح الوطن كله عرضة للهشاشة والانقسام مهما كانت حدوده ومساحته.
ولذلك فإن معالجة الأزمة السودانية لا تبدأ بإعادة رسم الخرائط، وإنما بإعادة بناء الدولة على أسس جديدة تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون واستقلال القضاء والعدالة في توزيع الفرص والموارد. فالدول لا تُبنى بالشعارات ولا بالقوة العسكرية وحدها، وإنما تُبنى بالمؤسسات القوية والحوكمة الرشيدة واحترام كرامة الإنسان وحقوقه.
ومن المؤسف أن بعض الأصوات لا تزال تقدم الانفصال باعتباره حلاً سحرياً، بينما تتجاهل أن الحدود الجديدة لا تنشئ تلقائياً مؤسسات فاعلة، ولا تقضي على الفساد، ولا تضمن العدالة، ولا توفر التنمية. فالمشكلة الحقيقية لا تكمن في شكل الدولة، بل في طبيعة الحكم وإدارة الموارد والعلاقة بين السلطة والمجتمع.
إن السودان اليوم في حاجة إلى مشروع وطني جامع يعالج جذور الأزمة بدلاً من الالتفاف حول نتائجها. مشروع يؤمن بأن جميع المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات، وأن التنوع مصدر قوة لا مبرر للفرقة، وأن العدالة هي الضمانة الحقيقية لوحدة البلاد واستقرارها.
كما أن السودان بحاجة إلى جيش وطني مهني يحمي الدولة ولا يتدخل في الصراع السياسي، وإلى مؤسسات مدنية قوية، وإلى أحزاب تتنافس لخدمة المواطنين لا لتقسيمهم، وإلى إعلام مسؤول يعزز قيم الحوار والتعايش بدلاً من نشر الكراهية والاستقطاب.
أما دعاة الحرب والانقسام، فعليهم أن يجيبوا أمام التاريخ وأمام الأجيال القادمة عن كلفة الخيارات التي يطرحونها. كم طفلاً حُرم من التعليم؟ وكم أسرة فقدت الأمن والاستقرار؟ وكم شاباً ضاع مستقبله بين النزوح والاقتتال؟ وكم مدينة تحولت إلى أنقاض بسبب صراعات كان من الممكن تجنبها بالحكمة والحوار والإرادة الوطنية الصادقة؟
إن الشعوب قد تختلف في الرؤى والمصالح، لكنها قادرة على التعايش حين تتوفر العدالة والمساواة. أما تحويل الخلافات السياسية إلى مشاريع للكراهية والانقسام، فإنه لا ينتج سوى مزيد من الدمار والخسارة للجميع.
لقد أثبت التاريخ أن السودان لم تضعفه تعدديته الثقافية ولا تنوعه الاجتماعي، وإنما أضعفته الأنانية السياسية، وأرهقته الحروب، وأعاقت تقدمه ممارسات الفساد وغياب المحاسبة وضعف المؤسسات.
ويبقى السؤال الأهم الذي ينبغي أن يواجه كل السودانيين: كم من الدروس يجب أن نتعلمها حتى ندرك أن الأزمة ليست في الوطن، بل في طريقة إدارته؟ وكم من الفرص يجب أن تضيع قبل أن نقتنع بأن العدالة هي الطريق الحقيقي للوحدة والاستقرار؟
إن مستقبل السودان لن يصنعه الانقسام، بل يصنعه التوافق على دولة المواطنة والحقوق وسيادة القانون. فالأوطان القوية لا تُبنى بالتجزئة، وإنما تُبنى بإرادة أبنائها وقدرتهم على تحويل التنوع إلى مصدر قوة، وتحويل الاختلاف إلى شراكة وطنية تضمن للجميع مكاناً عادلاً تحت راية وطن واحد يتسع للجميع.




