رأي

الابعاد الإنسانية والسياسية لزيارة توم فيلشر إلى حكومة التأسيس

مها طبيق

 

 مها الهادي طبيق

تأتي زيارة المبعوث الأممي توم فيلشر إلى حكومة التأسيس في لحظة تصاعد الضغوط الإنسانية والتحديات السياسية في غرب السودان . فالزيارة هي اختبار حقيقي لقدرة الحكومة على إدارة ملف دارفور وفق معايير الشفافية والفاعلية المطلوبة دوليًا .

اصبحت دارفور مركز ضغط انساني الدولي وتحولت إلى واحدة من أكثر مناطق الهشاشة في إفريقيا ، حيث يعيش الملايين في ظروف نزوح ممتد ونقص حاد في الخدمات الأساسية . تعدد الفاعلين المسلحين والانهيار الإداري زاد من صعوبة وصول المساعدات ، وخلق فراغًا مؤسسيًا تدرك الأمم المتحدة ضرورة التعامل معه عبر شراكات ذات قدرة تنفيذية .

أصبح ملف دارفور اليوم ملفا دولي ضاغط تتداخل فيه الاعتبارات الإنسانية مع الحسابات السياسية والأمنية . فمن الاولويات للأمم المتحدة هي زيارة فيلشر إلي حكومة تأسيس ، حيث يحمل المبعوث الأممي ثلاثة ملفات عاجلة تحتاج إلى ضمانات واضحة من حكومة التأسيس : وهي فتح وتثبيت ممرات آمنة للإغاثة في مناطق تشهد نهبًا واشتباكات متكررة . و تعزيز برامج الحماية خصوصًا للنساء والأطفال ، مع تحميل السلطات المسؤولية المباشرة عن سلامة العاملين الإنسانيين . و تقييم الجاهزية المؤسسية للحكومة للتعامل وفق معايير الأمم المتحدة في بيئات النزاع ، من حيث الشفافية ، والتنسيق ، والالتزام بالمعايير الإنسانية الدولية . هذه الزيارة في جوهرها تقييم لقدرة الدولة للتعامل في مثل هذه الظروف المعقدة .

تمنح الزيارة حكومة التأسيس فرصة استراتيجية لإعادة تموضعها خارجيًا عبر تعزيز شرعيتها الدولية من خلال تعاون مباشر وعملي مع الأمم المتحدة ، وتنظيم وتوحيد مسارات المساعدات ومنع القنوات العشوائية العابرة للحدود ، بالإضافة إلي تحويل البعد الإنساني إلى منصة حوار سياسي أوسع يخص مستقبل الإقليم واستقرار السودان .

وإذا أحسنت إدارة الملف ، يمكن للحكومة استثمار الموقف لترسيخ صورة الشريك القادر على إدارة أزمات مُعقّدة .

نجاح الزيارة مرهون بقدرة الحكومة على إثبات أمرين أساسيين هما ، فرض الحد الأدنى من السيطرة الأمنية في دارفور لحماية القوافل والعاملين في المجال الإنساني . وتفعيل مؤسسات تنسيقية واضحة تمنع تضارب الصلاحيات وتضمن التدفق السليم للمساعدات .

أما الأمم المتحدة ، فهي تواجه تحديًا موازياً ، هو كيفية التعامل مع حكومة التأسيس دون الانجرار إلى صراع شرعيات بين الأطراف المتنازعة .

تعتبر زيارة توم فيلشر مرحلة إعادة تعريف لطبيعة الشراكة بين الأمم المتحدة والدولة السودانية في إدارة ملف دارفور . فإذا قدّمت حكومة التأسيس ضمانات تنفيذية حقيقية ، فقد تتحول الزيارة إلى نقطة انعطاف تعيد الثقة الدولية وتفتح الباب نحو استقرار إنساني نسبي . أما إذا بقيت الوعود بلا مؤسسات حاكمة ، فستعود دارفور إلى دائرة الفوضى ، وستجد الأمم المتحدة نفسها أمام أزمة متفاقمة بلا شريك يمكن الاعتماد عليه . لذلك من ينجح في إدارة ملف دارفور اليوم ، سيملك مفاتيح التأثير في مستقبل الإقليم غدًا — إنسانيًا وسياسيًا .

مها الهادي طبيق

16 نوفمبر 2025

mahatebig@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!