رأي

الكونغرس يمهد الطريق لعزل سلطة بورتسودان

عماد اغبش

 

 عماد أغبش

في تطور سياسي بالغ الأهمية، أقرّت لجنة الشؤون الخارجية بالكونغرس الأمريكي مشروع قانون يتضمن إجراءات غير مسبوقة تجاه الأزمة السودانية، من بينها مطالبة الإدارة الأمريكية باتخاذ خطوات عملية لإعادة النظر في شرعية تمثيل سلطة بورتسودان داخل المؤسسات والمنظمات الدولية. ويكتسب هذا التطور أهمية استثنائية لأنه لا يقتصر على فرض عقوبات أو إدانة سياسية، بل يفتح الباب أمام نقاش دولي واسع حول مشروعية السلطة التي تتحدث باسم السودان في المحافل الإقليمية والدولية.

هذا التحول لم يأتِ من فراغ، وإنما جاء نتيجة تراكمات سياسية وإنسانية وأمنية شهدها السودان خلال السنوات الأخيرة. فالحرب التي اندلعت في البلاد أدت إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم، بينما ظلت سلطة بورتسودان عاجزة عن تقديم رؤية وطنية متكاملة لوقف النزاع أو التأسيس لمسار سياسي شامل يفضي إلى السلام والاستقرار.

لقد بات واضحاً أمام قطاعات واسعة من المجتمع الدولي أن الأزمة السودانية لا يمكن معالجتها عبر إدارة الحرب أو إطالة أمدها، وإنما من خلال معالجة جذور الأزمة السياسية وإفساح المجال أمام عملية سياسية شاملة تستند إلى الإرادة الشعبية وتضع حداً لمعاناة المدنيين. ومن هنا يمكن فهم دلالات الخطوة التي اتخذتها لجنة الشؤون الخارجية بالكونغرس، باعتبارها تعبيراً عن تنامي الشكوك الدولية حول قدرة سلطة بورتسودان على تمثيل السودانيين أو إدارة المرحلة الانتقالية بما يخدم مصالح البلاد.

كما أن الانتقادات الدولية المتزايدة لم تتوقف عند الجوانب السياسية، بل امتدت إلى الملف الإنساني، حيث تواجه السلطة اتهامات متكررة بعرقلة وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة من الحرب، لا سيما في دارفور وكردفان ومناطق أخرى تعاني أوضاعاً إنسانية بالغة التعقيد. وفي ظل استمرار النزوح والمجاعة وتدهور الخدمات الأساسية، أصبحت الأسئلة تتزايد حول مدى التزام السلطة بمسؤولياتها تجاه ملايين السودانيين الذين يعيشون أوضاعاً كارثية.

وإذا مضت هذه الخطوة الأمريكية إلى مراحل أكثر تقدماً داخل المؤسسات التشريعية والتنفيذية الأمريكية، فإن آثارها السياسية والدبلوماسية قد تكون عميقة. فإعادة النظر في شرعية التمثيل الدولي تعني عملياً تقليص قدرة سلطة بورتسودان على التحدث باسم السودان في العديد من المنابر الدولية، كما قد تفتح الباب أمام مراجعات أوسع تتعلق بإدارة الأصول والالتزامات الدولية المرتبطة بالدولة السودانية.

غير أن الأهمية الحقيقية لهذا التطور لا تكمن في آثاره الإجرائية فحسب، بل في الرسالة السياسية التي يحملها. فالمجتمع الدولي بدأ يبعث بإشارات متزايدة مفادها أن الشرعية لا تُبنى على السيطرة العسكرية أو الأمر الواقع، وإنما تستند إلى التوافق الوطني والإرادة الشعبية والقدرة على حماية المدنيين وتحقيق السلام.

لقد أثبتت التجربة السودانية خلال العقود الماضية أن الأزمات لا تُحل بالقوة وحدها، وأن استمرار الحرب لا ينتج سوى المزيد من الانقسام والانهيار. ولذلك فإن أي مسار سياسي جديد يجب أن ينطلق من مبدأ أن السودان أكبر من الأطراف المتصارعة، وأن مستقبل البلاد ينبغي أن يُبنى على مشروع وطني جامع يضع حداً للحرب ويؤسس لدولة المواطنة والعدالة والسلام.

إن ما جرى في الكونغرس الأمريكي ليس نهاية المشهد، لكنه بلا شك مؤشر مهم على تحولات متسارعة في الموقف الدولي تجاه الأزمة السودانية. وهي تحولات قد تفضي، إذا استمرت، إلى إعادة رسم خريطة الشرعية السياسية في السودان، بما يعكس تطلعات السودانيين إلى السلام والاستقرار والحكم المدني الديمقراطي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!