رأي

مستريحة!تراجيديا الدماء المتجددة

فاطمة لقاوة

 

فاطمة لقاوة

في دارفور لا تسقط القذائف وحدها، بل تُسقَط المعاني أيضًا،وما جرى في مستريحة ليس مجرد إشتباك صنعته الصدفة، بل مشهد جديد في مسرح قديم تُكتب نصوصه في الغرف الإستخبارتية المُعتمة، ويَدفع ثمنه الأبرياء.

منذ سنوات، أدمنت السٌلطة المركزية صناعة الأعداء كما تُدمن صناعة الشعارات، تُصعِّد رجلًا، تمنحه لقبًا، تلبسه دورًا، ثم تُسقطه حين تنتهي مهمته.

بالأمس كان موسى هلال عنوان مرحلة، رُفع إسمه في سياق “الجنجويد” وصراعات دارفور، ثم أُدخل سجن بورتسودان بعد ما تغيّرت المعادلات، وأُعيد إطلاق سراحه عِندما إحتاجت إليه الحسابات،ليست المسألة عدالة ولا قانونًا، بل إدارة أدوار في مسرح الصراع.

في 2017 كادت شرارة أن تُشعل إقتتالًا داخليًا بين الرزيقات، حين وُجِّهت قوات الدعم السريع نحو مستريحة،كان المطلوب آنذاك أكثر من إعتقال؛المطلوب تفجير البيت من داخله،إلاَّ أن الفتنة أُجِّلت، لا لأنها سقطت من حسابات من خططوا لها، بل لأن ظرفها لم ينضج بعد،وكانت قيادة الدعم السريع حاضرة الذهن فطنة وأدت الفتنة و تسامت فوق الجراحات و جلبت موسى هلال حيا الى الخرطوم ،ثم أطلقت سراحه بعد نجاح ثورة ديسمبر المجيدة.

جاءت حرب 15 أبريل، فاختلطت الأوراق، وتبدّلت التحالفات، وبقي الرجل في مستريحة محاطًا بتقديرات إجتماعية لا تزال فاعلة، غير أن الأيام الأخيرة حملت مؤشرات مقلقة: إغتيالات غامضة، تراشقات لفظية، وتسريبات مشبوهة، وكأن ثمة من يعيد تجهيز المسرح لجولة جديدة من الدم.

الهجوم الأخير بطائرات “البرقدار” المسيّرة لم يكن مجرد عمل عسكري، كان رسالة سياسية مغلّفة بالنار.

إستهداف مستريحة في هذا التوقيت تحديدًا يوحي بأن المقصود ليس موقعًا جغرافيًا، بل نسيجاً أجتماعيًا داخل معادلة دارفور.

المطلوب أن يغلي الغبن، أن تُستفز القبيلة، أن تُستدرج التصريحات، ثم تُدفع الأحداث نحو مواجهة تخدم من يجلسون بعيدًا عن الميدان .

هكذا تُصنع الفتنة:صناعة خصومة، ثم صناعة حادثة، ثم نسج رواية جاهزة تُوزَّع عبر أبواق مأجورة.

في كل مرة يُقال للناس إن ما يجري “ضرورة أمنية”، بينما الحقيقة أنه ضرورة سياسية لبقاء سلطة تتغذى على الإنقسام،و خلق صراعات قبلية في بيئة إجتماعية هشة ،هُندست مُعاناتها بمنهجية لتظل وقود صراعات وكرت رابح لحسم الخلافات السياسية.

المأساة أن دارفور لم تعد تحتمل فصلًا جديدًا من التمزق،النسيج الإجتماعي الذي صمد رغم مجازر الطيران، والنزوح والخذلان، يُراد له أن يُستنزف من الداخل الآن ليتحول إلى بؤر متناحرة تأوى أُمراء حرب جدد تصنعهم إستخبارات سلطة الأمر الواقع في بورتسودان عبر التُبع المُدجنين من من أطلقوا على انفسهم تنسيقيات.

ليس الهدف شخصًا بعينه، ولا قبيلة بذاتها؛ الهدف هو تحويل المجتمع إلى جزر خائفة، كل جزيرة تشك في الأخرى، حتى يسهل حكمها بالخوف.

السؤال الآن ليس: هل يموت فلان أو ينجو؟السؤال: هل تدرك مكونات دارفور أن الفخ أكبر من الأسماء؟ أن دم مستريحة ليس سوى عنوان لمحاولة إعادة تدوير الفتنة؟.

تراجيديا مستريحة ليست قدرًا مكتوبًا، بل خطة قابلة للإفشال،عندما يعي الناس أن من يشعل النار يخشاها إذا أُشتعل الوعي، عندها فقط يسقط النص من يد المخرج، ويُحرم صُنّاع الدم من مسرحهم الأخير.

ولنا عودة بإذن الله

الإثنين،٢٣فبراير/٢٠٢٦م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!