
دقاش حسب الله دقاش
سعر الصرف ليس مجرد رقم يتغير كل صباح على شاشات الصرافين بل هو نبض الاقتصاد ومرآة الدولة التي تعكس وجهها الحقيقي أمام العالم فحين ينهار الجنيه أمام الدولار والريال واليورو فهو لا ينهار وحده بل ينهار معه سعر رغيف الخبز وقيمة الدواء وفرصة الطالب وكرامة المواطن ويصبح السؤال الأكبر ليس لماذا ارتفع الدولار بل لماذا سقط الجنيه إلى هذه الهاوية وما الثمن الذي يدفعه شعب بأكمله كل يوم من قوته وصحته ومستقبله
تخيل معي الأم في عطبرة التي كانت تشتري كيلو السكر بـ 200 جنيه قبل الحرب صارت اليوم تدفع 9200 جنيه والطالب الذي كان يحلم بمقعد دراسي في لندن صار يحسب تكلفة الفيزا بالملايين والمريض الذي يحتاج دواء ضغط صار يختار بين الدواء والخبز هذه ليست أرقاماً على ورق بل هي حياة يومية تحولت إلى معركة بقاء وفي قلب هذه المعركة يقف الجنيه السوداني اليوم عند حافة الانهيار الشامل إذ تجاوز حسب رصد السوق الموازي صباح 12 يونيو 2026م في مناطق سيطرة الجيش حاجز 4700 جنيه للدولار الواحد وهو رقم كافٍ وحده ليخبرنا أننا تجاوزنا مرحلة الأزمة إلى مرحلة الخطر المطلق
والصورة لا تكتمل عند الدولار وحده لأن معركة الجنيه صارت مفتوحة على كل الجبهات فمن الشمال يضربه الجنيه المصري ومن الغرب يثقله الاسترليني وتمرّ به الريال والدرهم واليورو لتكشف كل عملة وجهاً جديداً من وجوه الضعف الاقتصادي الذي نعيشه فالجنيه المصري الذي قفز إلى 92 جنيهاً سودانياً يعني أن عملتنا فقدت أكثر من خمسين ضعف قيمتها أمامه منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 ومع أن مصر تمثل الشريان الرئيسي لغذاء السودانيين ومستحضراتهم وقطع غيارهم فإن كل تاجر يستورد منها يدفع اليوم هذا السعر الباهظ لتنتقل الكلفة فوراً إلى رغيف الخبز وزجاجة الزيت فتشتعل الأسواق غلاءً كل أسبوع
أما الريال السعودي فقد بلغ 1253 جنيهاً والدرهم الإماراتي 1280 جنيهاً واليورو 5070 جنيهاً والاسترليني 5980 جنيهاً وهي أسعار مرتبطة أولاً بقوة الدولار عالمياً وثانياً بانهيار الجنيه محلياً ولأن الريال والدرهم مربوطان بالدولار فإن أي قفزة فيه تعني ارتفاعاً تلقائياً فيهما فيمس ذلك مباشرة ملايين السودانيين الذين يعتمدون على تحويلات المغتربين وحجهم وعمرتهم وتجارتهم عبر الخليج وفي المقابل فإن اليورو والاسترليني يضربان عمق القطاع الصحي والتعليمي والصناعي فكل دواء منقذ للحياة وكل قطعة غيار لمصنع صار يكلّف ملايين الجنيهات التي لا يملكها إلا قلة قليلة فأغلقت أوروبا أبوابها أمام السودانيين بقرار اقتصادي قاسٍ فرضته عملتنا المنهارة
إن هذه القفزات ليست لغزاً بل نتيجة حتمية لمعادلة قاسية تحكم السوق اليوم فمن جهة يرتفع الطلب على الدولار بلا توقف لأن السودان يستورد أكثر من سبعين بالمئة من غذائه ودوائه ووقوده ومدخلات إنتاجه وكلها مسعرة بالعملة الصعبة ومن جهة أخرى انهار العرض تماماً إذ توقفت الصادرات الزراعية والحيوانية والصناعية بفعل الحرب وأغلقت المصانع وتعطلت المشاريع وهرب الاستثمار الأجنبي من بيئة سعر الصرف المتقلبة وبين طلب متزايد وعرض شحيح وجد الدولار طريقه إلى القمة ليصبح السعر الحقي للاقتصاد بينما ظل السعر الرسمي رقماً نظرياً لا يمس حياة المواطن
غير أن العامل الأخطر الذي أشعل الأزمة وعمّقها هو الفساد المستشري في إدارة النقد الأجنبي فالمضاربات التي تديرها شبكات مصالح وتهريب الدولار عبر المنافذ والتلاعب بحصائل الصادر وغياب الرقابة على تحويلات المغتربين كل ذلك خلق سوقاً موازية لا تحكمها قوانين العرض والطلب بقدر ما تحكمها شهية الربح السريع والفساد هنا ليس قضية أخلاق فقط بل هو تكلفة إنتاج يدفعها كل مواطن في فاتورة الدواء وحين يصبح الدولار سلعة للمضاربة بدلاً من أن يكون أداة إنتاج يتحول الجنيه إلى ضحية ويتحول المواطن إلى من يدفع الثمن من قوت يومه
والخلاصة التي تفرضها هذه المقارنة أن انهيار الجنيه لم يعد أزمة سعر صرف يمكن علاجها بقرار إداري أو حملة أمنية على الصرافين إنها أزمة دولة فقدت أدوات الإنتاج وفقدت ثقة مواطنها وفقدت موقعها في معادلة التجارة العالمية فبدون إنتاج زراعي وصناعي وحيواني وتعديني منظم وبدون إيقاف الحرب واستعادة الأمن وبدون اجتثاث الفساد من عروق الجهاز المصرفي والنقدي سيظل الدولار والريال والدرهم واليورو والاسترليني يرتفعون كل يوم مقابل الجنيه وسيظل السودانيون يهربون بمدخراتهم إلى الذهب والعملة الصعبة وتظل عملتنا الوطنية مجرد ورق بلا قيمة
إن معركة الجنيه أمام هذه العملات هي في حقيقتها معركة بقاء الدولة وكرامة المواطن ومستقبل الأجيال والحل يبدأ بثلاثة أشياء لا رابع لها سعر صرف موحد عادل يعيد الثقة ويرجع التحويلات وإنتاج حقي يصدر ويضخ دولاراً للخزينة وبنك مركزي يستعيد مصداقيته قبل أن يستعيد الدولار فإما أن نكسر دائرة الحرب وتوقف الإنتاج وشح النقد الأجنبي وانهيار الجنيه والغلاء والاحتقان وإما أن نستسلم لمصير تصبح فيه كل العملات الأجنبية سيدة والجنيه خادماً في وطنه وهذا المصير لا يليق بشعب عرف كيف يبني الحضارات وكيف يقاوم وكيف ينهض من تحت الرماد.




