
الزبير الشريف إبراهيم
في خضم الأزمات المتلاحقة التي يعيشها السودان، تبرز قضية قد تبدو للبعض خدمية أو معيشية، لكنها في حقيقتها قضية بيئية واستراتيجية ترتبط بمستقبل الأجيال القادمة، وهي أزمة غاز الطبخ وما ترتب عليها من توسع خطير في استهلاك الحطب والفحم النباتي كمصادر بديلة للطاقة.
لقد شهدت ولايات دارفور وكردفان والنيل الأزرق خلال السنوات الماضية، وبصورة أكثر حدة منذ اندلاع الحرب، تراجعاً مقلقاً في الغطاء النباتي نتيجة القطع الجائر للأشجار وإزالة مساحات واسعة من الغابات التي تشكل الامتداد الطبيعي لحزام السافنا الغنية. وقد ساهمت الظروف الأمنية وغياب الرقابة المؤسسية في تسارع هذه الظاهرة، حيث خرجت كميات ضخمة من الفحم النباتي وحطب الوقود إلى الأسواق المحلية ودول الجوار، الأمر الذي ألحق أضراراً بالغة بالموارد الطبيعية والتوازن البيئي.
إن المخاطر الناجمة عن هذا الوضع لا تقتصر على فقدان الأشجار فحسب، بل تمتد إلى تعميق آثار التغير المناخي وتدهور التربة وتراجع التنوع الحيوي، فضلاً عن تسريع وتيرة التصحر والزحف الصحراوي الذي بات يهدد مناطق واسعة كانت حتى وقت قريب تتمتع بغطاء نباتي كثيف وإنتاج زراعي ورعوي مستقر.
ولطالما حذر العلماء والخبراء من خطورة استمرار استنزاف الغابات دون برامج جادة للحماية وإعادة التشجير، غير أن الأزمة الحالية تضاعفت بسبب الانعدام شبه الكامل لغاز الطبخ في العديد من الولايات. فقد أصبحت الأسر في المدن والقرى، وكذلك المخابز والمطاعم والمرافق الخدمية، تعتمد بصورة متزايدة على الحطب والفحم النباتي، مما أدى إلى ارتفاع الطلب عليهما واستجلابهما من مناطق بعيدة بكميات غير مسبوقة.
ومن هنا فإن معالجة أزمة غاز الطبخ لم تعد مجرد استجابة لحاجة استهلاكية، بل أصبحت ضرورة وطنية لحماية البيئة والحفاظ على الموارد الطبيعية. فكل أسطوانة غاز تصل إلى منزل أو مخبز تعني عدداً أقل من الأشجار المقطوعة، وتعني خطوة إضافية في مواجهة التصحر والتدهور البيئي.
وعليه، فإننا نناشد وزارة الطاقة والجهات المختصة في حكومة تأسيس أن تجعل توفير غاز الطبخ ضمن أولوياتها العاجلة، عبر التوسع في الاستيراد وتأمين الإمدادات ووضع حلول لوجستية فعالة تضمن وصوله إلى مختلف الولايات، خاصة مع اقتراب فصل الخريف وما يفرضه من تحديات على حركة النقل والإمداد.
إن حماية البيئة ليست ترفاً فكرياً ولا قضية مؤجلة، بل هي جزء أصيل من معركة البقاء والتنمية والاستقرار. وما لم نتحرك اليوم لحماية غاباتنا ومواردنا الطبيعية، فقد نجد أنفسنا أمام خسائر يصعب تعويضها في المستقبل القريب.
والله من وراء القصد.




