
عبدالناصر آدم حمزة
يظل السؤال مشروعاً ومطروحاً بإلحاح لدى كثير من السودانيين: إلى متى يستمر التدخل المصري في الشأن السوداني؟ وإلى أي مدى يمكن لدولة مستقلة ذات سيادة أن تقبل بأن تُرسم بعض ملامح مستقبلها خارج حدودها الوطنية؟
إن العلاقات بين السودان ومصر علاقات تاريخية وجغرافية واجتماعية لا يمكن إنكارها، وهي علاقات يفترض أن تقوم على الاحترام المتبادل وحسن الجوار والمصالح المشتركة. غير أن المتابع لمسار هذه العلاقة خلال عقود طويلة يلاحظ أن القاهرة كثيراً ما تعاملت مع السودان من موقع الوصي لا الشريك، ومن منطلق النفوذ لا التكامل، الأمر الذي أثار وما يزال يثير الكثير من التساؤلات داخل الأوساط السودانية.
لقد عانت الحكومات السودانية المتعاقبة من ضعف واضح في إدارة بعض الملفات السيادية مع مصر، الأمر الذي انعكس على عدد من القضايا الحساسة وفي مقدمتها قضية حلايب وشلاتين، التي يراها غالبية السودانيين جزءاً أصيلاً من الأراضي السودانية. وظل هذا الملف معلقاً لسنوات طويلة دون حلول عادلة أو مواقف حاسمة تحفظ الحقوق الوطنية وتضع أسساً واضحة للعلاقة بين البلدين.
ومع اندلاع الحرب السودانية وتعقّد المشهد السياسي والعسكري، تصاعدت الاتهامات الموجهة إلى القاهرة بالانحياز إلى أحد أطراف الصراع، وهو ما اعتبره كثيرون خروجاً عن مبدأ الحياد المطلوب من دولة جارة يفترض أن تعمل من أجل استقرار السودان لا تعميق أزمته. كما أثارت بعض التصريحات الصادرة عن مسؤولين مصريين بشأن ما وصفوه بـ”الخطوط الحمراء” داخل السودان جدلاً واسعاً، باعتبار أن تحديد هذه الخطوط حق سيادي يخص السودانيين وحدهم.
وفي المقابل، يرى كثير من السودانيين أن بلادهم تمتلك موارد هائلة وإمكانات اقتصادية ضخمة كان يمكن أن تجعلها في موقع أقوى في علاقاتها الإقليمية لو أُديرت هذه الموارد بصورة رشيدة تحقق مصالح الشعب السوداني أولاً. فالسودان ليس بلداً فقيراً، بل دولة غنية بالموارد الزراعية والمعدنية والحيوانية، لكنه ظل يعاني من ضعف الإدارة والصراعات السياسية والتدخلات الخارجية.
إن المطلوب اليوم ليس القطيعة مع مصر ولا العداء معها، بل بناء علاقة متوازنة تقوم على الندية والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. فالشعبان تجمعهما روابط عميقة ومصالح مشتركة، لكن هذه الروابط لا ينبغي أن تكون مبرراً للمساس بسيادة السودان أو التأثير على خياراته الوطنية.
ويبقى السؤال قائماً: هل آن الأوان لأن يعيد السودان ترتيب علاقاته الخارجية وفقاً لمصالحه الوطنية الخالصة؟ وهل تستطيع النخب السياسية السودانية أن تضع حداً لحالة التبعية والارتهان، وأن تؤسس لعلاقات خارجية متوازنة تحفظ كرامة البلاد وسيادتها؟ تلك أسئلة ستظل مطروحة ما دام السودانيون يتطلعون إلى وطن مستقل القرار، كامل السيادة، يصنع مستقبله بإرادته الحرة.




