رأي

عندما تصبح السيادة هدفاً للقصف والتضليل

عبدالعزيز بخات المحامي

 

عبدالعزيز بخات المحامي

ليست السيادة شعاراً سياسياً يُرفع في المنابر أو عبارة تُردد في البيانات الرسمية، بل هي جوهر الدولة وأساس شرعيتها القانونية والدستورية. فالدولة التي تعجز عن حماية حدودها وأراضيها ومجالها الجوي ومواطنيها ومواردها الوطنية تفقد أحد أهم مقومات وجودها ووظيفتها الأساسية.

وقد استقر القانون الدولي منذ نشأة الدولة الحديثة على مبدأ واضح لا لبس فيه، وهو حق كل دولة في ممارسة سيادتها الكاملة على إقليمها البري والجوي والبحري، وعلى مواردها الطبيعية ومقدراتها الاقتصادية، مع التزام جميع الدول الأخرى باحترام هذه السيادة وعدم المساس بها. لذلك فإن أي اعتداء خارجي يستهدف أراضي دولة ذات سيادة أو مواطنيها أو منشآتها المدنية والاقتصادية يمثل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والأعراف الدولية المستقرة.

وفي هذا السياق، فإن تغيير المسميات أو إعادة توصيف الوقائع لا يبدل الحقائق القانونية. فإطلاق أوصاف مثل “جنقو الذهب” على مواطنين سودانيين يعملون في التعدين الأهلي لا ينتقص من حقوقهم القانونية ولا من صفتهم كمواطنين يتمتعون بالحماية الكاملة بموجب الدستور والقانون الدولي. كما أن استخدام مسميات مثل “شمال الوادي” بدلاً عن السودان لا يغير من حقيقة أن الأرض أرض سودانية تخضع للسيادة السودانية الكاملة، وأن كل ما يوجد عليها من منشآت وموارد وأنشطة اقتصادية يقع تحت حماية القانون الوطني والدولي.

لقد نصت المادة الثانية الفقرة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة على امتناع الدول عن استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة. وتُعد هذه القاعدة من المبادئ الأساسية والآمرة في النظام القانوني الدولي المعاصر، لأنها تحظر الاعتداء على الدول ذات السيادة خارج الأطر التي يجيزها القانون الدولي.

كما أكدت المادة الحادية والخمسون من الميثاق حق الدول في الدفاع عن نفسها إذا تعرضت لهجوم مسلح، وهو حق أصيل يهدف إلى حماية السيادة والأمن الوطني إلى حين تدخل المؤسسات الدولية المختصة بحفظ السلم والأمن الدوليين.

وتعزز مبادئ القانون الدولي الخاصة بالعلاقات الودية بين الدول، الصادرة بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2625 لسنة 1970، هذا المفهوم من خلال تأكيدها على احترام السلامة الإقليمية والاستقلال السياسي للدول، وعدم جواز استخدام القوة أو التهديد بها لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية.

وعلى المستوى الإفريقي، شدد القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي على احترام سيادة الدول الأعضاء وسلامة أراضيها ورفض أي تدخل عسكري في شؤونها الداخلية. كما أكدت اتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ضرورة حماية المدنيين والأعيان المدنية من الهجمات العسكرية، واعتبرت استهداف المدنيين أو المنشآت المدنية جريمة تستوجب المساءلة القانونية.

إن استهداف المنشآت الاقتصادية لا يقتصر أثره على الممتلكات المادية فحسب، بل ينعكس مباشرة على حياة المواطنين ومستقبلهم الاقتصادي والاجتماعي. فالاقتصاد الوطني يمثل أحد أعمدة الاستقرار، وأي اعتداء عليه يهدد مصادر الرزق والخدمات الأساسية ويؤثر على ملايين الأسر بصورة مباشرة وغير مباشرة.

ومن هنا فإن حماية السيادة الوطنية ليست خياراً سياسياً، وإنما التزام قانوني ودستوري وأخلاقي يفرض على الدولة اتخاذ جميع الوسائل المشروعة للدفاع عن أراضيها ومواطنيها ومواردها، وتوثيق أي انتهاكات وطرحها أمام المؤسسات الإقليمية والدولية المختصة.

فالسيادة لا تتجزأ، ولا تحمى بالشعارات، ولا تصان بتغيير المسميات، وإنما تُصان بسيادة القانون والإرادة الوطنية والتمسك الكامل بحقوق الدولة ومواطنيها. ذلك لأن هيبة الدولة تبدأ من قدرتها على حماية أرضها وشعبها ومواردها، وتنتهي عند حدود عجزها عن الدفاع عن تلك الحقوق.

إن احترام السودان وسيادته وحقوق مواطنيه وموارده الوطنية ليس منحة من أحد، بل حق أصيل تكفله المواثيق الدولية والقوانين والأعراف المستقرة، وتؤكده مبادئ العدالة وحقوق الإنسان في كل مكان.عناوين بديلة:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!