رأي

دماء المعدنيين العزل «شمال الوادي» وعار الصمت….. قراءة في استباحة السيادة السودانية وتواطؤ النخب

سامر مكين

 

 سامر مكين

في السادس عشر من يونيو 2026، استيقظ السودان على فاجعة جديدة لم تكن هذه المرة بنيران داخلية فحسب، بل بعدوان خارجي سافر استهدف عمق السيادة الوطنية في أقصى شمال البلاد. مجزرة “شمال الوادي” والأنصاري بولاية البحر الأحمر، التي نفذها الطيران المصري واستهدفت معدنيين سودانيين عزل، لم تكن مجرد “خطأ تقني” أو “عملية حدودية”، بل هي تجسيد حي لاستباحة الأرض والإنسان السوداني في ظل غياب الدولة وتواطؤ من يدعون حمايتها.

 التقارير الميدانية والشهادات الموثقة تشير إلى أن الطيران المصري الجبان (بمقاتلات الميغ والمسيرات) نفذ سلسلة من الغارات الجوية العنيفة لليوم الثاني على التوالي، مستهدفاً مواقع التعدين الأهلي في منطقتي “شمال الوادي” والأنصاري داخل الأراضي السودانية. الحصيلة الأولية كانت مروعة أكثر من 15 شهيداً وعشرات الجرحى من المواطنين الذين يكدحون في ظروف قاسية لتأمين لقمة العيش، ليجدوا أنفسهم أهدافاً مشروعة لصواريخ “الجارة الضارة “.

إن أكثر ما يثير الغثيان في هذه المأساة ليس قبح العدوان المصري فحسب، بل هو “الصمت الجنائزي” المطبق من قبل قيادة جيش النخب في بورتسودان برئاسة الانقلابي عبد الفتاح البرهان. هذا الجيش، الذي يدعي خوض معركة “الكرامة”، وقف متفرجاً وأجواؤه تُستباح ودماء مواطنيه تُسفك، في مقايضة رخيصة للسيادة مقابل الدعم السياسي والعسكري المصري لبقاء زمرة الإخوان المسلمين في السلطة.

هذا الصمت لم يقتصر على العسكر، بل امتد ليشمل نخب “دولة ما بعد الاستعمار” (دولة 56) وجميع الأحزاب السودانية التقليدية التي ارتهنت قرارها للقاهرة. تلك الأحزاب التي تقيم في فنادق القاهرة وتقتات على موائد المخابرات المصرية، لم تجرؤ حتى على إصدار بيان إدانة خجول، مفضلةً الحفاظ على مصالحها الحزبية الضيقة على حساب كرامة المواطن السوداني ودمه المسفوح.

في هذا الركام من الخذلان، برز موقف “تحالف السودان التأسيسي” (تأسيس) كصوت وطني وحيد وشجاع. فقد أصدر التحالف بياناً قوياً وواضحاً أدان فيه العدوان المصري واستنكر استباحة الأراضي السودانية، واصفاً ما حدث بأنه جريمة حرب وانتهاك صارخ للقوانين الدولية. هذا الموقف لا يعبر فقط عن انحياز للضحايا، بل يمثل رؤية سياسية جديدة ترفض التبعية وتضع “السودان أولاً” فوق كل الاعتبارات الإقليمية.

إن التدخل المصري المباشر بالقصف الجوي يعكس تحولاً خطيراً في طبيعة الصراع السوداني، حيث تحاول القاهرة فرض واقع ميداني يخدم حلفاءها من بقايا النظام البائد، حتى لو كان الثمن هو تحويل الشمال إلى ساحة تصفية للمدنيين. إن استباحة الأجواء السودانية تعني عملياً سقوط شرعية “سلطة بورتسودان” التي عجزت عن حماية حتى “بئر تعدين” من عدوان خارجي.

إن دماء المعدنيين في شمال الوادي ستبقى وصمة عار في جبين كل من صمت أو برر أو تواطأ. إن الطريق نحو “السودان الجديد” يبدأ بانتزاع القرار الوطني من براثن التبعية الإقليمية، وبناء جيش وطني يحمي الحدود لا العروش، ونخبة سياسية تستمد شرعيتها من نبض الشارع السوداني لا من أروقة المخابرات الأجنبية.

التحية لشهداء لقمة العيش في شمال الوادي، والتحية لكل صوت حر وقف في وجه الطغيان الخارجي والداخلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!