
سمية النور دهب
الأوطان تُبنى بالرؤية والعدالة لا بالحروب والإقصاء وصناعة الأزمات
في لحظة سياسية تزدحم بالضجيج والشعارات والانفعالات، جاءت إفادات القيادي بتحالف السودان التأسيسي إبراهيم الميرغني لقناة سكاي نيوز عربية مختلفة في مضمونها ومنهجها وأفقها السياسي. لم تكن مجرد مقابلة إعلامية عابرة أو تعليقات على تطورات الحرب، وإنما مثلت عرضاً متكاملاً لرؤية سياسية تسعى إلى تشخيص الأزمة السودانية من جذورها وتقديم مقاربة جديدة لمعالجتها.
لقد لامس الميرغني جوهر المعضلة السودانية حين أكد أن الحرب، مهما امتد أمدها، لن تنتج حلاً للأزمة السياسية في السودان. هذه ليست مجرد عبارة سياسية، وإنما خلاصة لتجربة سودانية طويلة بدأت قبل الاستقلال واستمرت عبر عقود من الصراعات والانقلابات والحروب الأهلية. فالأزمات التي انفجرت في الخامس عشر من أبريل لم تولد في ذلك اليوم، بل هي نتاج تراكمات تاريخية مرتبطة بطبيعة الدولة السودانية واختلال علاقتها بمكوناتها الاجتماعية والثقافية والسياسية.
ما يميز حديث الميرغني أنه نقل النقاش من إدارة الحرب إلى معالجة أسبابها. ففي الوقت الذي ينشغل فيه كثير من الفاعلين السياسيين والعسكريين بتوازنات الميدان ومواقع النفوذ، طرح الرجل أسئلة أكثر عمقاً تتعلق بهوية الدولة وشكل الحكم وطبيعة العلاقة بين المركز والأقاليم ومستقبل المواطنة في السودان. وهي قضايا ظلت لعقود مؤجلة أو يجري الالتفاف حولها، رغم أنها تمثل لب الأزمة السودانية.
كما عكست المقابلة بوضوح أن تحالف السودان التأسيسي لا يقوم على ردود الأفعال أو الحسابات الظرفية، وإنما يستند إلى رؤية سياسية وفكرية متماسكة تتجاوز السقف التقليدي للأطروحات السياسية السودانية. فحديث الميرغني عن اللامركزية الحقيقية والعلمانية ودولة المواطنة وإعادة بناء المؤسسات الوطنية يكشف عن مشروع متكامل لإعادة تأسيس الدولة وليس مجرد تسوية سياسية مؤقتة.
ومن أكثر النقاط التي اتسمت بالوضوح والشجاعة تأكيده على أن الحركة الإسلامية ليست جزءاً من الحل، بل جزء من الأزمة نفسها. فالرجل قدم قراءة سياسية ترى أن المشروع الذي حكم السودان لعقود كان سبباً مباشراً في إنتاج التهميش والاستقطاب والحروب، وأن إعادة تدوير هذا المشروع لن تقود إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة بأشكال جديدة.
وفي جانب آخر، قدم الميرغني تفسيراً موضوعياً لنشأة تحالف السودان التأسيسي، باعتباره استجابة لواقع سياسي واجتماعي معقد فرضته الحرب وما ترتب عليها من انتهاكات وحرمان لقطاعات واسعة من السودانيين من حقوقهم الأساسية. وهنا تتجلى أهمية التأسيس بوصفه مشروعاً يهدف إلى حماية وحدة السودان ومنع انزلاقه إلى التشظي والانقسام، في وقت تتزايد فيه المخاطر التي تهدد النسيج الوطني.
لقد أكدت مقابلة إبراهيم الميرغني أن السودان ما زال يمتلك فرصة للخروج من أزمته التاريخية إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية الواضحة. كما أكدت أن تحالف السودان التأسيسي يحمل مشروعاً متقدماً في تأطيره النظري والمفاهيمي، يتجاوز منطق إدارة الأزمات إلى مشروع إعادة بناء الدولة نفسها.
ولهذا فإن ما طرحه الميرغني عبر سكاي نيوز عربية يمكن اعتباره علامة فارقة في الخطاب السياسي السوداني المعاصر، لأنه أعاد توجيه النقاش الوطني نحو الأسئلة الكبرى التي لا مفر من الإجابة عليها إذا أراد السودانيون بناء وطن يسع الجميع، ويؤسس لسلام دائم وعدالة مستحقة ودولة حديثة مستقرة.




