
ايمان التجاني
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمدٍ، وينكر الفم طعم الماء من سقم
جاء مقال الأستاذة لبنى أحمد حسين الذي بدأ بعبارة “نعم، عدا المؤتمر الوطني” وانتهى بسؤال “ماذا نقول لشهداء ديسمبر؟” ليعكس أزمة حقيقية في جزء من الخطاب السياسي السوداني؛ أزمة لا تتمثل في الموقف من المؤتمر الوطني بقدر ما تتمثل في اختزال السودان كله في المؤتمر الوطني، واختزال أزمة دولة عمرها سبعون عاماً في صراع مع حزب حكم لثلاثة عقود.
لا أحد يجادل في أن ثورة ديسمبر قامت ضد نظام المؤتمر الوطني، ولا أحد ينكر أن السودانيين خرجوا إلى الشوارع مطالبين بإسقاطه. لكن السؤال الذي غاب عن مقال الأستاذة لبنى هو: هل كانت ثورة ديسمبر ضد المؤتمر الوطني وحده، أم ضد منظومة كاملة من الاستبداد والهيمنة والتهميش وإدارة الدولة لصالح مركز ضيق احتكر السلطة والثروة والقرار الوطني؟
إن أزمة السودان لم تبدأ في يونيو 1989 كما يحاول البعض تصويرها. فقبل الإنقاذ كانت هناك حرب الجنوب، وكانت هناك أزمة الهوية الوطنية، وكانت هناك معضلة المركز والهامش، وكانت هناك مناطق كاملة تعيش خارج دائرة التنمية والخدمات والتمثيل السياسي الحقيقي. نعم، عمّقت الحركة الإسلامية هذه الأزمات بصورة كارثية، لكن الزعم بأن كل شيء بدأ معها وكل شيء ينتهي بسقوطها يكشف فقراً في القراءة التاريخية وقصوراً في فهم طبيعة الدولة السودانية.
ولهذا فإن السؤال ليس: لماذا يُستبعد المؤتمر الوطني؟ بل لماذا يصر البعض على تجاهل جذور الأزمة الأعمق من المؤتمر الوطني نفسه؟
الأستاذة لبنى تتحدث عن ثورة ديسمبر وكأنها ملكية سياسية خاصة بفئة محددة، بينما الوقائع تقول إن الثورة كانت حدثاً وطنياً واسعاً شاركت فيه قطاعات وقوى متعددة. ومن الحقائق التي لا يستطيع أحد محوها من الذاكرة الوطنية أن الفريق أول محمد حمدان دقلو وقوات الدعم السريع انحازوا في مرحلة مبكرة للحراك الشعبي الذي أسقط نظام البشير. هذه ليست رواية دعائية، وإنما وقائع عاشها السودانيون وشاهدتها الساحات والشوارع.
بل إن محيط القيادة العامة نفسه كان يردد هتافات شهيرة ما زال صداها حاضراً في الذاكرة السياسية السودانية، تعبيراً عن تقدير قطاع واسع من الثوار للموقف الذي اتخذته قوات الدعم السريع آنذاك في مواجهة النظام الذي كانت الثورة تستهدف إسقاطه.
قد يختلف الناس اليوم في تقييم تلك المرحلة، وهذا حق مشروع، لكن إعادة كتابة التاريخ أو محاولة شطب الوقائع من الذاكرة الجمعية لا يخدم الحقيقة ولا يخدم النقاش الوطني.
كما يتجاهل المقال حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن قوات الدعم السريع كانت من أبرز القوى الداعمة للاتفاق الإطاري بوصفه مدخلاً لإنهاء الانقلاب واستكمال التحول المدني الديمقراطي. في المقابل، كان التيار المرتبط بالحركة الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية يرى في ذلك الاتفاق تهديداً مباشراً لمشروعه السياسي ولمواقع نفوذه.
ومن هنا جاء الصدام الكبير الذي قاد إلى حرب الخامس عشر من أبريل. ولذلك فإن تصوير الحرب وكأنها نشأت في فراغ أو باعتبارها مجرد صراع شخصي بين جنرالين يتجاهل الخلفيات السياسية والفكرية التي وقفت وراءها.
والأكثر غرابة أن مقال الأستاذة لبنى يهاجم الدعوات إلى التفاوض مع قوات الدعم السريع، بينما يتجاهل حقيقة أن الحروب لا تنتهي بالشعارات، وإنما بالتسويات السياسية التي تعالج أسباب النزاع. فكل تجارب العالم تؤكد أن السلام يُصنع مع الخصوم لا مع الحلفاء، وأن إنهاء الحروب يتطلب الجلوس إلى طاولة التفاوض مهما بلغت حدة الخلافات.
أما حديثها عن المؤتمر الوطني، فلا أحد يطالب بإعادة إنتاج تجربة الإنقاذ أو إعادة تدوير مشروع الحركة الإسلامية الذي لفظه السودانيون. لكن المشكلة أن بعض النخب لا تزال تتعامل مع الأزمة السودانية بعقلية الثأر السياسي لا بعقلية بناء الدولة.
فالسودان اليوم يواجه أسئلة أكبر بكثير من سؤال المؤتمر الوطني. يواجه سؤال الهوية، وسؤال المواطنة، وسؤال العدالة، وسؤال توزيع السلطة والثروة، وسؤال علاقة المركز بالأقاليم، وسؤال بناء جيش قومي يعبر عن جميع السودانيين لا عن فئة أو جماعة أو أيديولوجيا.
هذه هي الأسئلة التي يحاول تحالف السودان التأسيسي الإجابة عنها من خلال مشروع سياسي يتجاوز حدود الأزمة الراهنة إلى إعادة تأسيس الدولة نفسها. ولذلك فإن التحالف لم ينشأ بسبب الحرب وحدها، بل جاء استجابة لأزمة وطنية عميقة تفاقمت مع حرمان قطاعات واسعة من السودانيين من حقوقهم الأساسية في التعليم والأوراق الثبوتية والخدمات والحماية والأمن.
كما جاء في مواجهة خطاب الكراهية والاستقطاب الاجتماعي والتعبئة القبلية التي دفعت البلاد نحو حافة التفكك والتشظي.
وعندما تسأل الأستاذة لبنى: ماذا نقول لشهداء ديسمبر؟
فإن الإجابة بسيطة وواضحة:
نقول لهم إن مشروعكم لم يكن إسقاط حزب فحسب، بل بناء وطن جديد. ونقول لهم إن الحرية والسلام والعدالة لا تتحقق بمجرد تغيير الحكام، بل بتغيير قواعد اللعبة كلها. ونقول لهم إن السودان الذي حلمتم به لا يمكن أن يُبنى بالإنكار أو الإقصاء أو احتكار الوطنية، وإنما بالاعتراف الكامل بكل مكونات الوطن وحقها المتساوي في المشاركة وصناعة المستقبل.
أما الذين لا يزالون يختزلون السودان في خصومة واحدة، ويختزلون الثورة في شعار واحد، ويختزلون الأزمة في حزب واحد، فإن مشكلتهم ليست مع الوقائع، بل مع قدرتهم على رؤية السودان كما هو لا كما يريدون له أن يكون.
وصدق الشاعر حين قال:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمدٍ
وينكر الفم طعم الماء من سقم.




