رأي

السعودية وإعادة تدوير الحرب في السودان: لماذا تراهن الرياض على البرهان ضد إرادة السودانيين؟

عماد جدو

 

عماد جدو 

منذ اندلاع الحرب السودانية، حرصت المملكة العربية السعودية على تقديم نفسها باعتبارها وسيطاً يسعى إلى إيقاف الحرب وجمع السودانيين حول طاولة التفاوض. لكن بعد أكثر من ثلاث سنوات من القتال والدمار والنزوح، يبرز سؤال مشروع لم يعد بالإمكان تجاهله: هل ما زالت السعودية وسيطاً بالفعل، أم أنها أصبحت طرفاً سياسياً يسعى إلى إعادة إنتاج السلطة التي قادت السودان إلى الكارثة؟

فالمتابع للموقف السعودي يلاحظ أن الرياض انتقلت تدريجياً من دور المسهّل للمفاوضات إلى دور اللاعب السياسي الذي يسعى إلى رسم مستقبل السودان وفق رؤية خاصة به، قوامها إعادة تأهيل قائد الجيش عبدالفتاح البرهان ومنحه شرعية سياسية جديدة بعد أن فقد جزءاً كبيراً من رصيده داخل الشارع السوداني.

المفارقة أن المملكة تبدو وكأنها تتجاهل حقيقة أساسية يعرفها كل سوداني؛ وهي أن البرهان ليس ضحية الأزمة السودانية، بل أحد صناعها الرئيسيين.

فهو الرجل الذي أطاح بالحكومة الانتقالية بقيادة الدكتور عبدالله حمدوك، وقاد انقلاب أكتوبر 2021 الذي نسف الشراكة المدنية العسكرية، وأدخل البلاد في نفق الانهيار السياسي الذي انتهى بالحرب الحالية.

لذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا تصر الرياض على تسويق الرجل نفسه الذي يعتبره قطاع واسع من القوى المدنية السودانية المسؤول الأول عن تدمير الانتقال الديمقراطي؟

إن الإجابة لا تبدو مرتبطة بالديمقراطية ولا بالتحول المدني، وإنما ترتبط برغبة بعض دوائر القرار الإقليمية في الحفاظ على نموذج الدولة القديمة نفسها، دولة المركز العسكري والأجهزة الأمنية والتحالفات التقليدية التي أثبتت فشلها طوال العقود الماضية.

وقد كشفت الصحفية كارلا ديفيز في مقالها المنشور بتاريخ 19 يونيو 2026 عن تحركات سعودية تهدف إلى بناء كتلة مدنية تدور حول البرهان وتمنحه واجهة سياسية جديدة. لكن المشكلة أن أزمة البرهان ليست أزمة صورة إعلامية حتى تُحل عبر التسويق السياسي، وإنما أزمة شرعية وثقة ومحاسبة.

فلا توجد حملة علاقات عامة قادرة على محو ذاكرة السودانيين الذين يتذكرون جيداً انقلاب 2021، كما لا توجد صيغة سياسية يمكنها إقناع ضحايا الحرب بأن من ساهم في صناعة الأزمة أصبح فجأة جزءاً من الحل.

الأكثر إثارة للاستغراب هو ما جرى داخل منبر جدة نفسه.

ففي أي عملية سلام محترمة يكون الرأي العام شريكاً في معرفة ما يجري، لكن ما حدث أن جولات التفاوض ظلت تدور خلف أبواب مغلقة، بينما حُرم السودانيون من معرفة التفاصيل الحقيقية لما يُطرح وما يُرفض ومن الطرف الذي يعرقل الوصول إلى اتفاق.

وقد أثار قائد قوات الدعم السريع هذه القضية بصورة مباشرة عندما تحدث عن مماطلة الوسيط السعودي في نشر نتائج المفاوضات وتمليكها للرأي العام السوداني.

وهنا يبرز السؤال الأخطر:

إذا كانت المملكة مقتنعة بأنها وسيط نزيه، فلماذا لا تُنشر نتائج التفاوض كاملة أمام الشعب السوداني؟

لماذا لا يعرف السودانيون من الذي رفض وقف إطلاق النار؟

ومن الذي أصر على استمرار العمليات العسكرية؟

ومن الذي عطل الاتفاقات التي تم التوصل إليها؟

فالشفافية هي السلاح الأقوى لحماية أي وساطة من الشبهات، أما السرية المستمرة فقد حولت منبر جدة من منصة للسلام إلى منصة يحيط بها كثير من الغموض والشكوك.

والأكثر غرابة أن المملكة التي تعاملت لسنوات طويلة مع قوات سودانية شاركت ضمن قوات التحالف في اليمن، أصبحت تتصرف اليوم وكأن جزءاً مهماً من الواقع السوداني يمكن شطبه سياسياً وإقصاؤه من معادلة الحل.

لقد قاتل آلاف السودانيين في اليمن تحت راية التحالف الذي قادته السعودية، وكان جزء معتبر منهم ينتمي إلى التشكيلات التي أصبحت لاحقاً جزءاً من قوات الدعم السريع.

لكن الرياض لم تقدم حتى اليوم تفسيراً سياسياً واضحاً لهذا التحول الكبير في مقاربتها للملف السوداني.

هل تغيرت المصالح؟

أم تغيرت التحالفات؟

أم أن المطلوب ببساطة هو إعادة إنتاج السلطة القديمة مهما كانت تكلفة ذلك على مستقبل السودان؟

إن الخطأ الأكبر الذي تقع فيه السياسة السعودية اليوم هو اعتقادها أن الأزمة السودانية يمكن حلها عبر إعادة ترتيب النخب نفسها التي فشلت في إدارة البلاد لعقود.

لكن السودان بعد حرب أبريل ليس هو السودان الذي كان قبلها.

لقد سقطت عملياً الأسس التي قامت عليها الدولة القديمة، وبرزت مطالب جديدة تتعلق بإعادة تأسيس الدولة نفسها لا مجرد تغيير الحكومات.

ومن هنا تبرز الفجوة بين ما تريده قطاعات واسعة من السودانيين وما يبدو أن بعض الدوائر الإقليمية تسعى إليه.

فبينما يتجه مشروع تأسيس الدولة السودانية نحو معالجة جذور الأزمة التاريخية المتعلقة بالسلطة والثروة والهوية وبناء دولة جديدة على أسس مختلفة، لا تزال بعض الأطراف الخارجية تتعامل مع السودان باعتباره مجرد ملف أمني يمكن التحكم فيه عبر الجنرالات والتحالفات التقليدية.

لكن التجربة السودانية أثبتت أن الأزمات لا تُحل بإعادة تدوير أسبابها.

والحروب لا تنتهي بإعادة إنتاج القوى التي شاركت في صناعتها.

والشرعية لا تُمنح من الخارج مهما بلغت قوة الداعمين لها.

إن المملكة العربية السعودية تمتلك فرصة حقيقية للعب دور إيجابي في السودان، لكن ذلك يتطلب أن تعود إلى موقع الوسيط لا موقع الشريك السياسي، وأن تنحاز إلى السلام لا إلى الأشخاص، وإلى مستقبل السودان لا إلى بقايا النظام الذي أوصل البلاد إلى الحرب.

أما الرهان على إعادة تسويق البرهان، فلن يؤدي إلى بناء سلام دائم، بل سيجعل الرياض تبدو في نظر كثير من السودانيين وكأنها لا تسعى إلى إنهاء الأزمة، وإنما إلى إعادة إنتاجها في ثوب جديد.

وحينها لن يكون السؤال: لماذا فشلت التسوية؟

بل لماذا أصرت السعودية على الرهان على الحصان الخاسر بينما كان السودان يبحث عن طريق جديد نحو تأسيس الدولة السودانية الجديدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!