
نجم الدين دريسة
لا توجد قوة تستطيع إيقاف شعب قرر أن يعيد كتابة تاريخه بيده
ليست معركة الأبيض حدثاً عسكرياً عابراً يمكن قراءته في سياق تقدم ميداني هنا أو تراجع هناك، وليست مجرد مواجهة بين قوتين تتنازعان السيطرة على مدينة ذات موقع استراتيجي مهم. إن اختزال ما يجري في الأبيض في حدود الجغرافيا أو الحسابات العسكرية الضيقة يمثل فشلاً في فهم طبيعة اللحظة التاريخية التي يعيشها السودان اليوم. فالأبيض، في جوهر ما تمثله سياسياً ورمزياً، أصبحت عنواناً لصراع أكبر بكثير من حدود المدينة نفسها، وأعمق من تفاصيل الحرب الراهنة. إنها عنوان للصدام بين مشروعين متناقضين للدولة، وبين رؤيتين متعارضتين لمستقبل السودان.
لقد ظل السودان، منذ الاستقلال، أسير نموذج سياسي قام على مركزية مفرطة في السلطة والثروة والقرار. نموذج احتكر تعريف الوطنية، واحتكر الحديث باسم البلاد، واحتكر توزيع الفرص والموارد، ثم قدم نفسه باعتباره السودان كله بينما كان يعبر في كثير من الأحيان عن مصالح نخب محددة أكثر مما يعبر عن مصالح ملايين السودانيين في الأقاليم المختلفة. ومع مرور العقود، لم تتغير البنية الحاكمة للدولة بقدر ما تغيرت الوجوه والشعارات. أما جوهر المعادلة فقد بقي ثابتاً: مركز يحتكر وأطراف تطالب، مركز يقرر وأطراف تدفع الثمن، مركز يكتب الرواية وأطراف تُكتب عنها الروايات.
ومن هنا جاء مصطلح “دولة 56” بوصفه توصيفاً سياسياً لنمط من الحكم أكثر من كونه إشارة إلى تاريخ بعينه. فالقضية ليست سنة الاستقلال بحد ذاتها، وإنما البنية التي تشكلت بعد ذلك التاريخ واستمرت في إعادة إنتاج نفسها لعقود طويلة. تلك البنية التي فشلت في بناء دولة وطنية متوازنة تستوعب التعدد الهائل الذي يميز السودان، وأخفقت في معالجة جذور الأزمة المتعلقة بتوزيع السلطة والثروة والتنمية والتمثيل السياسي.
لقد امتلكت هذه المنظومة أدوات ضخمة للتأثير. امتلكت أجهزة الدولة، ووسائل الإعلام، ومراكز إنتاج الخطاب السياسي، وشبكات النفوذ التي تشكلت عبر عقود. ولذلك لم تكن المعركة مجرد صراع على الأرض، وإنما كانت أيضاً صراعاً على الوعي. فالرواية التي تخرج من المركز كانت تجد طريقها بسهولة إلى المؤسسات الإقليمية والدولية، بينما ظلت أصوات قطاعات واسعة من السودانيين تعاني صعوبة الوصول إلى المنابر ذاتها. وهكذا تراكمت صور مشوهة، وتكرست تصورات ناقصة، وأصبح كثير من الفاعلين الخارجيين يتعاملون مع الأزمة السودانية من خلال عدسات صنعتها النخب المسيطرة على المشهد التقليدي.
غير أن التاريخ يعلمنا أن الروايات الرسمية قد تنجح في تأخير التحولات لكنها لا تستطيع منعها إلى الأبد. فعندما تتراكم المظالم وتتعاظم الفجوة بين الدولة ومواطنيها، تبدأ الحقائق في الظهور مهما كانت قوة أدوات الإخفاء والتضليل. وهذا ما حدث في السودان. فالأقاليم التي ظلت لعقود طويلة موضوعاً للحديث أصبحت اليوم طرفاً فاعلاً في صناعة الحديث نفسه. والشعوب التي جرى التعامل معها باعتبارها هامشاً في المعادلة السياسية بدأت تفرض حضورها باعتبارها شريكاً أصيلاً في تقرير مستقبل البلاد.
إن معركة الأبيض تأتي في هذا السياق التاريخي تحديداً. فهي ليست معركة مدينة، بل معركة معنى. إنها مواجهة بين إرادة تريد الحفاظ على المعادلة القديمة مهما كان ثمن ذلك، وإرادة أخرى تسعى إلى فتح الطريق أمام سودان جديد يقوم على أسس مختلفة تماماً. ولهذا فإن أهمية الأبيض لا تنبع فقط من موقعها الجغرافي أو الاقتصادي، وإنما من رمزيتها السياسية باعتبارها إحدى البوابات الكبرى نحو إعادة تشكيل ميزان القوة في السودان.
لقد أثبتت التجربة السودانية بما لا يدع مجالاً للشك أن الدولة التي تُبنى على الاحتكار لا تستطيع إنتاج الاستقرار. والدولة التي تركز السلطة والثروة في نطاق ضيق لا تستطيع الحفاظ على وحدتها إلى الأبد. والدولة التي تطلب من مواطنيها الصبر دون أن تمنحهم حقوقهم الأساسية إنما تؤجل الانفجار ولا تمنعه. ولذلك فإن الأزمة السودانية لم تكن استثناءً من قوانين التاريخ، بل كانت مثالاً صارخاً عليها.
واليوم لم يعد ممكناً الاكتفاء بشعارات الإصلاح الجزئي أو الترقيع السياسي. فالأزمة أعمق من أن تُحل بتغيير حكومة أو تبديل مسؤولين. المطلوب هو إعادة النظر في الفكرة التي قامت عليها الدولة نفسها، وفي طبيعة العلاقة بين المركز والأقاليم، وفي مفهوم المواطنة، وفي أسس توزيع الموارد والسلطات. وهذا هو جوهر المشروع الذي تتبناه القوى المطالبة بإعادة تأسيس السودان على قواعد جديدة.
إن الدولة المدنية الديمقراطية الفدرالية لم تعد بالنسبة لكثيرين مجرد برنامج سياسي، بل أصبحت ضرورة وطنية فرضتها التجربة التاريخية المريرة. فهي الإطار الذي يمكن أن يضمن مشاركة جميع السودانيين في إدارة شؤون بلادهم، ويحول دون عودة الاحتكار السياسي بصوره القديمة، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد يقوم على المساواة وسيادة القانون والحقوق الدستورية المتساوية.
ولذلك فإن المعركة الدائرة اليوم ليست معركة بين أشخاص، بل بين أفكار. ليست معركة حول من يجلس على كرسي الحكم، بل حول طبيعة الحكم نفسه. ليست معركة من أجل استبدال نخبة بأخرى، بل من أجل إنهاء فكرة احتكار النخب لمصير البلاد. وهذا ما يجعلها لحظة مفصلية في التاريخ السوداني المعاصر.
إن الذين يقرأون الأحداث بعين الأمس لن يفهموا ما يجري اليوم. فالسودان الذي تشكلت معادلاته السياسية خلال العقود الماضية يتعرض الآن لاختبار تاريخي غير مسبوق. والوقائع المتسارعة تشير إلى أن البلاد تتجه نحو إعادة تعريف نفسها من جديد، سواء على مستوى الدولة أو المجتمع أو العلاقة بين مكوناته المختلفة.
ولهذا فإن الأبيض ليست مجرد محطة في مسار الحرب، وإنما محطة في مسار التاريخ. وما يجري حولها يمثل جزءاً من عملية أوسع تتعلق بمستقبل السودان كله. فإما أن تنجح البلاد في الانتقال نحو دولة المواطنة والعدالة والشراكة الحقيقية، وإما أن تستمر في الدوران داخل الحلقة ذاتها التي أنتجت أزماتها المتكررة.
لقد آن الأوان لأن ينتصر السودان لفكرة الدولة التي تخدم مواطنيها جميعاً لا بعضهم، وتحمي حقوقهم جميعاً لا حقوق فئة بعينها، وتمنح الجميع فرصة متساوية للمشاركة في صناعة المستقبل. فالأمم لا تتقدم حين تتمسك بميراث أزماتها، وإنما حين تمتلك الشجاعة الكافية لتجاوزه.
ومن هنا فإن الأبيض، في الوعي السياسي لمن يؤمنون بالتغيير الجذري، ليست مجرد مدينة تنتظر نتيجة معركة، بل رمز لمرحلة تاريخية كاملة تقترب من نهايتها، ورمز لمرحلة أخرى تتشكل ملامحها على أنقاض الاحتكار والتهميش والصراع المزمن. إنها، بهذا المعنى، ليست فقط معركة ميدان، بل معركة مستقبل، ومعركة فكرة، ومعركة وطن يبحث منذ عقود طويلة عن الطريق الذي يقوده أخيراً إلى الحرية والسلام والعدالة.




