تقارير وتحقيقات

تحالفات الحرب ومخاض ما بعد المعركة.. هل ينجو معسكر الجيش من صراع الشركاء؟

التنوير : نقلا عن الشرق الاوسط

 

التنوير : نقلا عن الشرق الاوسط 

يشهد السودان مرحلة شديدة التعقيد والحساسية مع استمرار الحرب للعام الرابع على التوالي، في وقت تتغير فيه التحالفات العسكرية والسياسية بوتيرة متسارعة لم يشهدها المشهد السوداني منذ عقود. فالحرب التي بدأت باعتبارها مواجهة مباشرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تحولت تدريجياً إلى ساحة واسعة لإعادة ترتيب موازين القوى وإعادة تشكيل التحالفات، بحيث لم تعد المعادلة تقتصر على طرفين رئيسيين، وإنما باتت تضم أطرافاً عديدة لكل منها حساباتها الخاصة ورؤيتها المختلفة لمستقبل الدولة السودانية.

خريطة عسكرية جديدة تعيد تشكيل موازين القوى

خلال الأشهر الماضية شهدت الساحة العسكرية تطورات مهمة تمثلت في انضمام مجموعات منشقة عن قوات الدعم السريع إلى جانب الجيش، إلى جانب تصاعد دور القوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة القادمة من دارفور، فضلاً عن بروز قوات درع السودان كفاعل جديد في المعادلة العسكرية. كما استمرت التشكيلات المحسوبة على التيار الإسلامي في الحضور داخل المعسكر المناهض للدعم السريع، ما أوجد واقعاً جديداً يتسم بالتعدد والتشابك.

هذا التنوع في القوى المشاركة ضمن المعسكر الداعم للجيش يعكس طبيعة المرحلة الراهنة، حيث تلتقي مصالح متباينة حول هدف آني يتمثل في مواجهة قوات الدعم السريع، غير أن هذا الالتقاء لا يعني بالضرورة وجود رؤية سياسية موحدة أو مشروع متفق عليه لإدارة السودان بعد توقف العمليات العسكرية.

تحالف الضرورة.. وحدة السلاح واختلاف المشاريع

يمكن وصف هذا الواقع بأنه “تحالف ضرورة” فرضته ظروف الحرب أكثر مما صنعته التوافقات السياسية. فالقوات المختلفة الموجودة داخل هذا المعسكر لا تنتمي إلى مدرسة سياسية واحدة، كما أنها لا تتبنى رؤية مشتركة بشأن شكل الدولة أو طبيعة النظام السياسي القادم.

القوات المشتركة للحركات المسلحة تمتلك أجندة ترتبط بقضايا الأقاليم والهامش وإعادة توزيع السلطة والثروة، بينما تنطلق قوات درع السودان من اعتبارات مختلفة ترتبط بطبيعة تكوينها الاجتماعي والقبلي. أما المجموعات المنشقة عن الدعم السريع فتسعى إلى تثبيت موطئ قدم لها في المشهد الجديد وضمان حضورها في ترتيبات المستقبل.

وفي المقابل، ينظر الجيش إلى هذه القوى بوصفها حلفاء في معركة قائمة، لكنه يدرك في الوقت نفسه أن مرحلة ما بعد الحرب ستطرح أسئلة أكثر تعقيداً تتعلق بتقاسم النفوذ والسلطة وموقع كل طرف داخل الدولة الجديدة.

الإسلاميون من مركز النفوذ إلى أحد أطراف المعادلة

من أكثر التحولات لفتاً للانتباه خلال الحرب الحالية تراجع الوزن النسبي للحركة الإسلامية داخل المعسكر المؤيد للجيش. فالإسلاميون الذين كانوا لعقود طويلة يمثلون أحد أهم مراكز النفوذ داخل الدولة السودانية، لم يعودوا يحتكرون أدوات التأثير كما كان الحال خلال سنوات حكم الإنقاذ.

لقد أفرزت الحرب قوى جديدة تمتلك حضوراً عسكرياً وسياسياً متزايداً، بعضها لا يرتبط بالمشروع الإسلامي من قريب أو بعيد، وبعضها الآخر يحمل ذاكرة مثقلة بالخلافات والصراعات مع الإسلاميين منذ سنوات طويلة.

ولهذا تبدو المفارقة واضحة؛ فكلما اتسعت دائرة القوى المنخرطة في دعم الجيش وتعددت مكوناتها، تقلصت قدرة الإسلاميين على الانفراد بالتأثير أو احتكار القرار. وباتوا جزءاً من شبكة معقدة من الفاعلين الذين يتنافسون جميعاً على النفوذ داخل المعسكر نفسه.

ضغوط داخلية وخارجية تعيد رسم المشهد السياسي

في الوقت ذاته تواجه الحركة الإسلامية ضغوطاً متزايدة من عدة اتجاهات. فهناك أصوات سياسية ومدنية تطالب بإبعاد الإسلاميين عن ترتيبات ما بعد الحرب، باعتبار أن تجربتهم السابقة في الحكم كانت جزءاً من الأزمة السودانية وليست جزءاً من الحل.

كما أن البيئة الإقليمية والدولية لا تبدو متحمسة لعودة الإسلاميين إلى واجهة المشهد السياسي. فالكثير من المبادرات والمشاورات الدولية المتعلقة بالسودان تركز على بناء عملية سياسية جديدة لا يكون للتيار الإسلامي فيها الدور المهيمن الذي كان يتمتع به خلال العقود الماضية.

وزادت هذه الضغوط مع الإجراءات القانونية والأمنية التي طالت بعض القيادات الإسلامية، فضلاً عن الاتهامات المستمرة الموجهة للتنظيم بشأن دوره في المشهد الحالي. كما ساهمت العقوبات والقيود الدولية في تعقيد قدرة الحركة الإسلامية على استعادة موقعها السابق أو إعادة إنتاج نفسها بالشكل الذي كانت عليه قبل سنوات.

معركة ما بعد الحرب.. صراع النفوذ المؤجل

ورغم أن التركيز الحالي ينصب على المعارك العسكرية الدائرة في مختلف الجبهات، فإن كثيراً من المراقبين يرون أن التحدي الأكبر قد يبدأ بعد توقف الحرب لا أثناءها. فالتحالفات التي تنشأ في أوقات النزاعات المسلحة غالباً ما تواجه اختبارات صعبة عندما يحين وقت اقتسام السلطة وترتيب مؤسسات الدولة.

التاريخ السوداني نفسه يقدم نماذج عديدة لتحالفات عسكرية وسياسية انهارت فور انتهاء الظروف التي جمعتها. لذلك تبدو احتمالات التنافس بين مكونات المعسكر المؤيد للجيش قائمة بقوة، خصوصاً إذا لم يتم التوصل إلى مشروع سياسي جامع يحدد بوضوح أسس المرحلة الانتقالية المقبلة.

فالحركات المسلحة تمتلك مطالبها الخاصة، والقوى القبلية والعسكرية الصاعدة تبحث عن موقعها في المعادلة الجديدة، بينما يسعى الإسلاميون إلى الحفاظ على ما تبقى من نفوذهم السياسي والتنظيمي. أما المؤسسة العسكرية فتواجه تحدي إدارة هذه التناقضات ومنع تحولها إلى صراعات مفتوحة.

هل يقود السلام إلى شراكة أم إلى مواجهة جديدة؟

رغم الحديث المتكرر عن تراجع نفوذ الإسلاميين، فإن إعلان نهاية دورهم السياسي بشكل كامل لا يزال أمراً مبالغاً فيه. فالحركة الإسلامية ما زالت تمتلك شبكات تنظيمية واسعة وخبرات سياسية متراكمة وعلاقات ممتدة داخل قطاعات مختلفة من الدولة والمجتمع.

لكن المؤكد أن البيئة السياسية التي كانت تسمح لها بالهيمنة لم تعد موجودة بالشكل السابق. فالحرب أعادت توزيع مراكز القوة وخلقت فاعلين جدداً يصعب تجاوزهم أو تجاهلهم في أي تسوية مقبلة.

وفي المقابل، ترى القوى المدنية أن بناء دولة مستقرة يتطلب تأسيس نظام سياسي جديد يقوم على المشاركة الواسعة والمؤسسات المدنية والعدالة الانتقالية، بعيداً عن هيمنة أي تيار سياسي أو أيديولوجي واحد.

وفي المحصلة النهائية، يبدو أن السودان يقف أمام مرحلة مفصلية ستحدد شكل الدولة لعقود قادمة. فالحرب لم تعد مجرد صراع عسكري على الأرض، بل أصبحت معركة لإعادة تعريف السلطة ومراكز النفوذ ومستقبل الحكم في البلاد. وبين تحالف الضرورة الذي فرضته الحرب، والتناقضات العميقة التي تخفيها مرحلة ما بعدها، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح هذه القوى في تحويل تحالف السلاح إلى شراكة سياسية مستقرة، أم أن السودان سيكون على موعد مع جولة جديدة من الصراع بمجرد أن تضع الحرب أوزارها؟

الشرق الاوسط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!