تقارير وتحقيقات

السودان فوق حقل من نار: ألغام الحرب تخنق المدن وتهدد عودة الملايين

التنوير تقرير القسم السياسي 

 

التنوير تقرير القسم السياسي 

وطن ملوث بمخلفات الحرب: عودة النازحين تصطدم بالخطر الصامت

بعد أكثر من عام على اندلاع الحرب، لا تزال آثار المعارك تلاحق السودانيين حتى بعد توقف القتال في بعض المناطق، حيث تحولت مساحات واسعة من البلاد إلى حقول مفتوحة للخطر بسبب انتشار الألغام والذخائر غير المنفجرة. وأكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن مخلفات الحرب أصبحت واحدة من أكبر العقبات أمام عودة ملايين المواطنين إلى مناطقهم الأصلية، بعدما وجد كثيرون أن منازلهم ومدارسهم وطرقهم تحولت إلى مناطق محفوفة بالمخاطر.

وبحسب التحديث الإنساني الأممي لشهري مايو ويونيو 2026، فإن أكثر من أربعة ملايين سوداني عادوا إلى مناطق كانت مسرحاً للعمليات العسكرية، لكن العودة لم تعنِ انتهاء المعاناة، إذ اصطدم السكان بواقع جديد يتمثل في وجود قنابل غير منفجرة وصواريخ وألغام أرضية تهدد حياتهم وتعطل إعادة بناء مجتمعاتهم.

وأوضح التقرير أن هذه المخلفات لا تنتشر فقط في ساحات القتال، بل وصلت إلى الأحياء السكنية والمرافق العامة والمنشآت الحيوية، مما جعل عملية استعادة الخدمات الأساسية أكثر تعقيداً، وأخر عودة المدارس والمراكز الصحية والأسواق إلى العمل الطبيعي.

 

 

 

 

الخرطوم مدينة محاصرة بالخطر: أقل من واحد بالمائة آمنة

تظل العاصمة الخرطوم واحدة من أكثر المناطق تضرراً من التلوث بالذخائر المتفجرة، نتيجة طبيعة القتال الحضري العنيف الذي شهدته خلال الفترة الماضية. وأشار التقرير الأممي إلى أن المدينة تواجه مستويات واسعة من التلوث، مؤكداً أن أقل من واحد بالمائة فقط من مساحة الخرطوم صُنفت مناطق آمنة للاستخدام.

ويعني ذلك أن ملايين السكان الذين يفكرون في العودة إلى العاصمة يواجهون تحدياً إضافياً يتجاوز الدمار الذي خلفته المعارك، إذ يتطلب الأمر عمليات مسح دقيقة وإزالة للألغام قبل أن تصبح المنازل والطرق والمرافق صالحة للاستخدام.

وأكد المكتب أن إعادة الإعمار في الخرطوم لن تكون ممكنة دون معالجة ملف الذخائر غير المنفجرة، لأن أي عملية بناء أو تأهيل للبنية التحتية ستظل معرضة للخطر ما لم يتم تطهير المواقع المتضررة بشكل كامل.

ولم يقتصر هذا الواقع على العاصمة وحدها، إذ رجح التقرير وجود مستويات مشابهة من التلوث في ولايات أخرى، من بينها الجزيرة وسنار، حيث امتدت آثار الحرب إلى مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمناطق السكنية.

أرقام صادمة: عشرات الضحايا والأطفال يدفعون الثمن الأكبر

كشف التقرير الأممي عن تسجيل 27 حادثة مرتبطة بالذخائر المتفجرة خلال العام الجاري، أسفرت عن سقوط 86 ضحية، بينهم 30 قتيلاً و56 مصاباً. وأشار إلى أن الأطفال يمثلون نحو نصف الضحايا، ما يعكس حجم الخطر الذي يواجه الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع.

ويرى العاملون في المجال الإنساني أن الأرقام المعلنة قد لا تعكس الحجم الحقيقي للمأساة، بسبب صعوبة الوصول إلى بعض المناطق المتأثرة بالحرب وضعف عمليات الإبلاغ والتوثيق.

ويشكل وجود الأطفال قرب المنازل والمدارس والمناطق الزراعية خطراً مضاعفاً، خصوصاً مع عودة الأسر إلى مناطقها دون توفر معلومات كافية حول المواقع الملوثة أو برامج واسعة للتوعية بمخاطر الذخائر.

وأكدت الأمم المتحدة أن إزالة الألغام لا تمثل مجرد إجراء أمني، بل هي خطوة أساسية لحماية المدنيين وتمكين المجتمعات من استعادة حياتها الطبيعية.

 جهود إزالة الألغام: معركة جديدة لإنقاذ الأرض من آثار الحرب

رغم حجم التحديات، تواصل فرق إزالة الألغام بقيادة المركز الوطني للأعمال المتعلقة بالألغام وبمساندة الأمم المتحدة عمليات التطهير في عدد من المناطق المتضررة.

وأشار التقرير إلى أن الفرق تمكنت منذ بداية العام من إزالة أكثر من 22 ألف قطعة متفجرة، إضافة إلى تطهير أكثر من ستة ملايين متر مربع من الأراضي، الأمر الذي سمح بإعادة فتح بعض المدارس والمرافق الصحية والمنازل، إلى جانب مطار الخرطوم للاستخدام.

لكن حجم التلوث الحالي يتطلب جهوداً أكبر وموارد إضافية، خاصة أن مساحات واسعة ما تزال بحاجة إلى عمليات مسح وتطهير قبل السماح للسكان باستخدامها.

ويؤكد خبراء العمل الإنساني أن إزالة مخلفات الحرب ستكون من أطول مراحل التعافي، لأنها ترتبط مباشرة بأمن السكان ومستقبل إعادة الإعمار والتنمية.

الأبيض تحت النار: المسيرات تهدد قلب كردفان الإنساني

في شمال كردفان، تصاعدت المخاوف الإنسانية مع استمرار الهجمات بالطائرات المسيّرة على مدينة الأبيض منذ بداية يونيو، ما وضع مئات الآلاف من المدنيين أمام خطر مباشر.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة أن المدينة تستضيف أكثر من مائة ألف نازح داخلها وحولها، ما جعل أي تصعيد عسكري يضاعف الضغوط على مجتمع يعاني أصلاً من نقص الموارد والخدمات.

وتسببت الهجمات في سقوط ضحايا مدنيين وأضرار واسعة طالت المنازل والمدارس والمرافق الصحية ومحطات الوقود والبنية التحتية للكهرباء، الأمر الذي أدى إلى تراجع قدرة المدينة على تلبية احتياجات السكان.

وتزداد أهمية الأبيض بسبب موقعها كمركز لوجستي رئيسي لعمليات الإغاثة في شمال وجنوب كردفان، ما يجعل استقرارها عاملاً حاسماً في إيصال المساعدات إلى مناطق واسعة..

 أزمة إنسانية تتسع: نقص الغذاء والمياه يضاعف معاناة المدنيين

أكد التقرير الأممي أن الوضع الإنساني في كردفان ودارفور يزداد تعقيداً مع استمرار النزاع وتعطل طرق الإمداد.

وأفاد بأن نحو 800 ألف شخص في محلية شيكان، التي تضم مدينة الأبيض، يحتاجون إلى مساعدات إنسانية عاجلة، في ظل نقص الوقود والمياه والسلع الأساسية.

وتواجه المجتمعات المتضررة تحديات متشابكة، تبدأ من انعدام الأمن وتصل إلى صعوبة الحصول على الغذاء والرعاية الصحية والتعليم. كما أن ارتفاع تكاليف النقل ونقص الوقود أدى إلى زيادة أسعار السلع الأساسية، مما أثقل كاهل الأسر التي فقدت مصادر دخلها.

ورغم الظروف الأمنية الصعبة، تواصل المنظمات الإنسانية تقديم مساعدات تشمل الغذاء وبرامج التغذية والإمدادات الطبية وخدمات الحماية والتعليم، لكنها تواجه عقبات كبيرة بسبب اتساع رقعة الأزمة.

جيل كامل مهدد: سوء التغذية يلاحق أطفال السودان

في ملف التغذية، أطلق المكتب الأممي تحذيراً شديداً بشأن مستقبل الأطفال، مشيراً إلى أن ملايين الأطفال تأثروا بشكل مباشر بالحرب وانهيار الخدمات الأساسية.

وقدّر التقرير أن نحو 825 ألف طفل دون سن الخامسة معرضون لخطر سوء التغذية الحاد الوخيم خلال العام، وهي حالة تهدد حياتهم إذا لم يحصلوا على العلاج في الوقت المناسب.

وتتركز المخاوف بشكل خاص في مناطق شمال دارفور وكردفان، حيث يعاني الأطفال من نقص الغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية، إلى جانب آثار النزوح والعنف وانفصال الأسر.

ويرى العاملون في المجال الإنساني أن استمرار الحرب سيؤدي إلى عواقب طويلة المدى على جيل كامل من الأطفال، ليس فقط من ناحية الصحة، بل أيضاً من حيث التعليم والاستقرار النفسي والاجتماعي.

 تمويل ناقص وأزمة بلا موارد: العالم أمام اختبار جديد

رغم ضخامة الاحتياجات، تواجه الاستجابة الإنسانية في السودان أزمة تمويل حادة. وقال مكتب الأمم المتحدة إن خطة الاستجابة حصلت فقط على 899 مليون دولار من أصل 2.9 مليار دولار مطلوبة، أي ما يعادل 31.4 بالمائة فقط من الاحتياجات.

ويعني هذا العجز أن ملايين السودانيين قد لا يحصلون على الدعم الضروري في وقت تتزايد فيه المخاطر الإنسانية.

وأكد المكتب أن نحو 19.5 مليون شخص، أي قرابة اثنين من كل خمسة سودانيين، يواجهون مستويات حرجة من انعدام الأمن الغذائي.

ويحذر المجتمع الإنساني من أن استمرار نقص التمويل سيضعف القدرة على مواجهة الأزمات المتزامنة، من إزالة الألغام إلى علاج سوء التغذية وتوفير المياه والخدمات الصحية.

 موسم الجفاف يقترب: السودان أمام موجة معاناة جديدة

حذرت الأمم المتحدة من أن الأشهر المقبلة قد تحمل مزيداً من الضغوط على السكان، خصوصاً خلال موسم الجفاف الممتد من يونيو وحتى أكتوبر.

وخلال هذه الفترة ترتفع عادة أسعار الغذاء والمياه والمنتجات الزراعية بسبب صعوبة النقل وارتفاع تكاليف الوقود، وهي عوامل قد تزيد من هشاشة ملايين الأسر المتضررة من الحرب.

وبين الألغام المنتشرة، والدمار الواسع، ونقص الغذاء، وضعف التمويل، يجد السودان نفسه أمام أزمة إنسانية متعددة الأبعاد تحتاج إلى استجابة عاجلة تتجاوز الإغاثة المؤقتة نحو معالجة جذور الكارثة.

فالحرب لم تترك فقط مدناً مدمرة، بل خلفت وراءها أرضاً مليئة بالمخاطر، وشعباً ينتظر أن تصبح العودة إلى الوطن رحلة أمان لا مغامرة بين بقايا المعارك.

المصدر تقرير الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!