رأي

غياب المشروع الوطني .. أساس الازمة السودانية

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

لا تنهض الأمم بتبديل الحكومات، بل بإعادة تعريف الدولة على أساس العدالة والمواطنة والشراكة

منذ عقود، ظل النقاش السوداني يدور في حلقة تكاد لا تنتهي؛ من يحكم؟ ومن يسيطر على السلطة؟ ومن ينتصر في الصراع السياسي أو العسكري؟ غير أن هذا السؤال، على أهميته، ليس السؤال المؤسس للأزمة، بل هو أحد نتائجها. أما السؤال الذي تأخر طرحه طويلاً فهو: ما المشروع الوطني الذي يجمع السودانيين جميعاً، ويمنح الدولة شرعية مستمدة من مواطنيها لا من موازين القوة؟

إن الدول لا تُقاس بطول عمر حكوماتها، ولا بعدد الانقلابات أو الانتخابات التي شهدتها، وإنما بقدرتها على إنتاج عقد اجتماعي يجعل المواطنين يشعرون بأنهم شركاء متساوون في الوطن والدولة والمصير. وكلما ضعف هذا العقد، ازدادت قابلية الدولة للصراع الداخلي، لأن التنافس يتحول من إدارة الاختلاف إلى التنافس على امتلاك الدولة نفسها.

لقد كان الاستقلال السياسي لحظة تاريخية فارقة في تاريخ السودان، لكنه لم ينهِ، في تقدير كثير من الباحثين والمفكرين، الجدل حول طبيعة الدولة وهوية المشروع الوطني. فالاستقلال القانوني لا يكفي وحده لبناء دولة مستقرة؛ إذ يتطلب ذلك اتفاقاً واسعاً على قواعد العيش المشترك، وعلى توزيع السلطة، والحقوق، والواجبات، والتمثيل، والعلاقة بين المركز والأقاليم.

ومن هنا برزت، عبر عقود، تساؤلات عميقة حول مدى شمولية مؤسسات الدولة وتمثيلها للتنوع السوداني. فالجيش، والشرطة، والخدمة المدنية، وغيرها من المؤسسات الوطنية، كانت وما تزال موضوع نقاش عام بشأن قدرتها على التعبير عن جميع مكونات المجتمع على قدم المساواة. وهذه ليست قضية إدارية فحسب، بل قضية ترتبط بالثقة في الدولة نفسها.

إن التعدد الثقافي والإثني واللغوي والديني ليس سبب الأزمة، بل هو حقيقة اجتماعية يمكن أن تكون مصدر قوة إذا أُديرت ضمن مشروع وطني جامع. أما حين تغيب القواعد المشتركة، فإن التنوع يتحول إلى مجال للتنافس والريبة، ويصبح الانتماء الأول للجماعة أو الإقليم أو الحزب بديلاً عن الانتماء إلى دولة يشعر الجميع أنها تمثلهم.

وقد ساهمت عقود من الاستقطاب السياسي في تعميق هذا الإشكال، إذ انشغلت النخب المتعاقبة بالصراع على السلطة أكثر من انشغالها بإعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع. ومع كل انتقال سياسي كانت تتغير الحكومات، بينما تبقى الأسئلة البنيوية نفسها معلقة: كيف تُبنى المؤسسات؟ وكيف تتوزع السلطة؟ وكيف تُدار الموارد؟ وكيف يشعر كل مواطن بأن الدولة وُجدت لخدمته، لا لخدمة فئة بعينها؟

ولهذا، فإن إعادة تعريف الدولة لم تعد ترفاً فكرياً، بل أصبحت شرطاً لأي استقرار مستدام. فالدولة ليست مرادفاً للحكومة، والحكومة ليست مرادفاً للوطن. الوطن فضاء جامع لجميع مواطنيه، والدولة هي الإطار المؤسسي الذي يحمي هذا الفضاء ويضمن الحقوق والحريات، أما الحكومات فهي إدارات مؤقتة تتغير بالوسائل الدستورية أو السياسية. وعندما تختلط هذه المستويات، يتحول الخلاف مع السلطة إلى خلاف مع الدولة، ويصبح نقد الحكومة وكأنه عداء للوطن.

إن المشروع الوطني الحقيقي لا يمكن أن يكون برنامج حزب أو رؤية نخبة أو اتفاق مجموعة مغلقة، بل ينبغي أن يكون ثمرة حوار واسع يشارك فيه ممثلو مختلف الأقاليم والمجتمعات والتيارات، بحيث يشعر الجميع أنهم أسهموا في صياغته. فالمشروعات الوطنية لا تُفرض، وإنما تُبنى بالتوافق، ولا تستمد قوتها من الغلبة، وإنما من القبول العام.

كما أن المواطنة لا ينبغي أن تبقى مفهوماً قانونياً مجرداً، بل يجب أن تتحول إلى ممارسة يومية يشعر معها المواطن بأن القانون يحميه، وأن الفرص العامة تُدار وفق الكفاءة والعدالة، وأن مؤسسات الدولة تعمل لخدمة المجتمع بأسره. وعندما تصبح المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات، تتراجع أهمية الانتماءات الضيقة في المجال العام، ويصبح الولاء للدولة نابعاً من الثقة لا من الخوف.

ولا يمكن لأي عملية إصلاح أن تنجح إذا اكتفت بتغيير الأشخاص أو إعادة توزيع المناصب. فالأزمة البنيوية تحتاج إلى مراجعة أعمق تتناول طبيعة الدولة نفسها، وآليات عمل مؤسساتها، وحدود السلطة، وضمانات المشاركة، وكيفية تحقيق تمثيل يعكس التنوع السوداني ويعزز الثقة بين الدولة والمجتمع.

إن السودان يمتلك مقومات بشرية وثقافية وطبيعية كبيرة، غير أن تحويل هذه المقومات إلى مشروع دولة مستقرة يتطلب الانتقال من منطق التنافس على السلطة إلى منطق الاتفاق على قواعدها. فالدول التي تنجح ليست تلك التي تخلو من الخلافات، بل تلك التي تمتلك مؤسسات وعقداً اجتماعياً يسمحان بإدارة الخلاف دون انهيار الدولة.

ولعل المهمة الكبرى أمام السودانيين ليست فقط إنهاء الحرب أو تشكيل حكومة جديدة، بل بناء مشروع وطني يستطيع أن يستوعب التنوع، ويعزز المواطنة المتساوية، ويجعل الدولة إطاراً جامعاً لكل مواطنيها. فحين تتفق الشعوب على فكرة الدولة، تصبح السلطة وسيلة لخدمة المجتمع، لا غاية يتصارع الجميع من أجلها.

ولهذا، فإن الطريق إلى المستقبل لا يبدأ بالسؤال: من يحكم السودان؟ بل يبدأ بالسؤال الأكثر عمقاً: أي دولة نريد، وعلى أي عقد اجتماعي نريد أن تقوم؟ فالإجابة عن هذا السؤال قد تكون الخطوة الأولى نحو تجاوز دائرة الأزمات المتكررة، والانتقال من إدارة الصراع إلى بناء الدولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!