رأي

رباعية السلام في السودان: بين اقتراح الهدنة ومعاناة المدنيين

د.إخلاص قرنق

 

د. إخلاص قرنق

كاتبة وباحثة اجتماعية وحقوقية

رئيسة منبر صوت المرأة جوبا

في لحظة يختلط فيها الألم بالأمل، وتنهار فيها عزائم المدنيين أمام ويلات الحرب، تظهر الرباعية الدولية كنافذة محتملة لسلام طال انتظاره في السودان. المبادرة التي قدمتها الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، ومصر لاقتراح هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تأتي في وقت يئن فيه ضحايا الحرب في دارفور، من الأطفال والنساء واللاجئين، ويبحثون عن غدٍ بلا عنف ولا دماء.

معاناة المدنيين في مدينة الفاشر واضحة في معسكرات اللجوء، حيث يعيش الأهالي في ظروف مأساوية يهددها الجوع والبرد وانعدام المأوى، في ظل انهيار البنية الإنسانية وانعدام الأمان، وفق تقارير الأمم المتحدة التي سجلت حالات قتل خارج القانون وانتهاكات جسيمة بحق المدنيين، يُتهم بها الجيش وأحياناً قوات الدعم السريع. السلام ليس رفاهية، بل شرط أساسي لإعادة الحياة إلى طبيعتها، من الزراعة والتعليم إلى الصحة والبنية التحتية، كما أنه يمكّن المنظمات الإنسانية من الوصول للمحتاجين وإنقاذ الأرواح قبل فوات الأوان.

الرفض للهدنة لا يأتي من فراغ، بل من حسابات سياسية ومصالح متداخلة. تقارير عديدة تشير إلى دور بعض الإسلاميين وميليشيات مرتبطة بهم في تأجيج الصراع ورفض المبادرات السلمية، بما في ذلك ميليشيا البراء بن مالك، التي تؤكد على خيار الحسم العسكري. أما الجيش السوداني، فيبقى متمسكاً بالتصعيد أحياناً، ويظهر رفضه للهدنة ضمن حسابات السيطرة على الأرض وتوزيع النفوذ، مع وجود أصوات داخل المؤسسة العسكرية تتفق على ضرورة التوقف عن القتال فقط بعد ضمان مكاسب استراتيجية.

قوات الدعم السريع أعلنت موافقتها على هدنة إنسانية مدتها ثلاثة أشهر، مؤكدة استعدادها لمفاوضات توقف القتال ومعالجة الأسباب الجذرية للنزاع، وهو موقف يعكس حرصها على تقديم نفسها كطرف مسؤول يحمي المدنيين. بالمقابل، يثير رفض الجيش تساؤلات حول دوافعه الحقيقية، هل هو رفض مصلحة وطنية أم رفض تسوية تقلل من نفوذه أو تطلب إعادة توزيع القوة؟ هذا التباين في المواقف يضع السودان أمام معضلة واضحة: من يريد السلام ومن يعارضه لأسباب سياسية أو استراتيجية.

في الفاشر، يدفع المدنيون ثمن الصراع، فلا حرب بلا قتلى، ولا نازح بدون مأوى، ولا طفل إلا وقد فقد جزءاً من طفولته. اللجوء إلى دول الجوار ليس خياراً بل ضرورة، وأحياناً يموت الناس بسبب المجاعة أو البرد أكثر من القصف. هذا الألم ليس مجرد إحصاءات، بل قصص حية: ندب الأرامل، أحلام مكسورة، وأطفال يتمنون فقط أماناً وحقاً في العيش الكريم.

من يرفض السلام ليس بالضرورة أن يرفضه كاملاً، بل يرفض نوعاً معيناً منه، سلاماً لا يضعهم تحت رقابة، ويضمن استمرار نفوذهم. هذا الرفض يحمل لغة بلاغية قوية: صراع على الهوية والسلطة، حيث تتحول مصالح السياسيين إلى نصل يجلد المدنيين الأكثر ضعفاً، وتصبح دعوات السلام مجرد حبر على ورق ما لم تُجبر الأطراف على الالتزام بها.

قبول الدعم السريع للهدنة يشكل بارقة أمل، إذ يمكن أن يكون بداية لوقف النار، وفتح ممرات إنسانية، والانطلاق نحو سلام سياسي شامل. لكن السلام الحقيقي يحتاج إرادة وطنية مدنية، ودعماً شعبياً ودولياً يفرض التنازل على الأطراف المتصارعة من أجل مصلحة الإنسان السوداني العادي. المجتمع المدني، منظمات اللاجئين وقوى الحرية والتغيير يجب أن تكون فاعلة في صياغة السلام لا مجرد مراقبة، لضمان مشاركة عادلة ومستدامة لكل المعنيين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!