مسكن الألم لا يعالج المرض: المجتمع الدولي ضعف المواقف في مواجهة أزمة السودان
د. دقاش حسب الله دقاش

د. دقاش حسب الله دقاش
حين يتحول المجتمع الدولي إلى طبيب يكتفي بتخفيف الألم دون معالجة المرض تظل الأزمات مفتوحة على النزيف والسودان اليوم نموذج صارخ لهذا الفشل فمنذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع تتوالى العقوبات والبيانات والهدن المؤقتة بينما تستمر شبكات الحرب في التمدد والتمويل والتسليح والسلام لا يبدأ بقائمة أسماء محظورة بل بقرار حاسم يغلق شرايين الدمار.
لطالما كانت العقوبات والبيانات أدوات المجتمع الدولي للتعامل مع النزاعات الكبرى لكنها في حالة السودان تحولت إلى مسكنات مؤقتة تخفف الأعراض ولا تقترب من أصل الداء فالقرار الصادر بتاريخ 26 يونيو 2026 عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية بفرض عقوبات على ثمانية أفراد وكيانات تمول الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع خطوة مهمة على مستوى كشف شبكات الإمداد لكنها تظل جزئية لكونها جاءت بعد أن تحولت الحرب إلى اقتصاد كامل فالعقوبات المتأخرة تمنح أطراف الصراع رسالة ضمنية بأن كلفة الاستمرار في القتال أقل من كلفة الجلوس للتفاوض.
إن المجتمع الدولي يعرف جيدا أن الحرب في السودان لم تعد صراعا على السلطة فحسب بل سوقا مفتوحة لتجارة الموت يديرها تجار يمولون شراء الذخائر والمتفجرات والمعدات العسكرية من الخارج عبر شبكات مالية وتجارية معقدة وعندما تكتفي الدول بإصدار قوائم عقوبات متأخرة دون إغلاق المنافذ المالية والموانئ والشركات التي تمر عبرها هذه الشحنات فإنها تترك شرايين الحرب مفتوحة ويدفع المدنيون الثمن جوعا ونزوحا وموتا بينما يستمر تدفق السلاح بلا انقطاع.
الضعف الأكبر يتمثل في غياب آلية ردع حقيقية فالأمر التنفيذي 14098 وقرارات مجلس الأمن موجودة على الورق لكنها تفتقر إلى الإرادة السياسية التي تترجمها إلى حصار فعلي علي الذي يرفض السلام ومموليهم ومادام هناك من يربح من الدمار وأن السلاح أرخص من السلام فإن أي هدنة إنسانية أو مبادرة تفاوضية ستبقى استراحة قصيرة بين جولات القتال.
كلفة هذا الضعف باهظة فعلى المستوى الإنساني تفاقمت واحدة من أسوأ الأزمات عالميا بمجاعات ونزوح بالملايين وانهيار الخدمات وعلى المستوى الاستراتيجي يتحول السودان إلى بيئة حاضنة للجماعات الإرهابية وزعزعة استقرار إقليم هش أصلا وهذا يعني أن ضعف الموقف الدولي لا يضر السودانيين وحدهم بل يهدد الأمن والسلم الدوليين.
السودان لا يحتاج إلى مزيد من التشخيص بل يحتاج إلى حصار مالي وتجاري كامل على منظومة الحرب يشمل تجميد الأصول ومنع الاستيراد ومحاسبة كل شركة أو دولة تدعم الحرب كما يحتاج إلى فرض هدنة إنسانية فورية وغير مشروطة تتيح وصول المساعدات وحماية المدنيين وتهيئة مناخ التفاوض و دعم مسار سوداني خالص يقوده العقلاء بعيدا عن لغة البندقية بضمانات دولية ملزمة لا ببيانات استهلاكية.
مسكن الألم قد يسكّن الوجع ساعات لكنه لا يشفي الجرح والجرح السوداني اليوم عميق ومعقد وينزف منذ أكثر من عامين ولن ينهض السودان ما دامت هناك شبكات تربح من الدمار وما دام السلاح أرخص من السلام وعليه فإن المسؤولية التاريخية تقع على المجتمع الدولي أولا ثم على الأطراف السودانية إما قرار حاسم يغلق شرايين الحرب أو استمرار في سياسة التخدير حتى ينهار الجسد كله.
السبت 27 يونيو 2026م



