رأي

الانتهازية السياسية: حين يتحول الوطن إلى سوق للمصالح

د. إخلاص قرنق

 

 د. إخلاص قرنق

ليست أخطر الحروب تلك التي تدور في ميادين القتال، بل تلك التي تُشنّ على ضمير الأمة باسم الوطنية. فحين يتقدم تجار المواقف إلى الصفوف الأمامية، ويتحول الوطن إلى سلعة تُعرض في سوق المصالح، تصبح المبادئ قابلة للمساومة، وتغدو معاناة الناس أوراقاً تفاوضية تُستخدم لتحسين المواقع السياسية والاقتصادية والشخصية.

إن الانتهازية السياسية ليست مجرد اختلاف في الرؤى، ولا حقاً مشروعاً في تبديل المواقف وفق مقتضيات الواقع، بل هي حالة مزمنة من الارتهان للمصلحة الذاتية، حيث يتغير الخطاب بتغير المكاسب، وتتبدل التحالفات بتبدل المنافع، ويُختزل الوطن، بكل آلامه وآمال شعبه، إلى مشروع استثماري مؤقت يدر الأرباح على أصحابه، بينما يدفع المواطن البسيط وحده فاتورة الخيبات والانكسارات.

لقد أثبتت التجارب أن النجاح الحقيقي لا تصنعه الثروات، ولا النفوذ، ولا القدرة على المناورة السياسية، وإنما تصنعه الأخلاق. فالضمير الحي يظل رأس المال الوحيد الذي لا يعرف الإفلاس، والأمانة تبقى الحصن الأخير الذي يحمي الإنسان من السقوط مهما أغرته بريق الصفقات وأوهام المكاسب السريعة.

الأمانة ليست شعاراً يرفع في المنابر، ولا كلمات منمقة تتصدر البيانات والخطب، بل هي امتحان عسير يخوضه الإنسان مع نفسه كل يوم؛ أن يقول «لا» حين يستطيع أن يقول «نعم» ويكسب، وأن يرفض المال المشبوه، والصفقة الناقصة، والموقف المدفوع الثمن، وأن يدرك أن التاريخ لا يخلد المتسلقين، بل يحفظ أسماء أصحاب المواقف الذين دفعوا أثمان قناعاتهم ولم يبيعوا ضمائرهم في أسواق السياسة.

أما الصدق، فقد أصبح عملة نادرة في زمن أتقن فيه البعض صناعة الصور اللامعة لأنفسهم، بينما تخفي الكواليس وجوهاً أخرى لا تشبه الشعارات التي يرفعونها. غير أن الشعوب، وإن خُدعت لبعض الوقت، فإنها لا تُخدع إلى الأبد، فالكلمات مهما زُخرفت، والمواقف مهما جُمّلت، لا تستطيع أن تصمد طويلاً أمام محكمة الزمن.

والإخلاص للقضايا الوطنية لا يقاس بعدد المؤتمرات، ولا بحجم الظهور الإعلامي، ولا بوفرة الشعارات الثورية، وإنما يقاس بالثبات على المبادئ، والانحياز الصادق لمعاناة الناس، والعمل من أجلهم في العلن والخفاء، في زمن التصفيق وفي زمن العزلة، دون انتظار مكافأة أو منصب أو حصة في كعكة السلطة.

لقد أرهقت الانتهازية السياسية الشعوب، وأفسدت الكثير من القضايا العادلة، وأفقدت المواطنين الثقة في وجوه طالما قدمت نفسها حراساً للمبادئ، فإذا بها أول من يغادر سفينة القيم عند هبوب رياح المصالح، وأول من يعيد رسم مواقفه وفق اتجاه البوصلة الشخصية لا الوطنية.

إن الوطن ليس بورصة للمزايدات، ولا شركة مساهمة يتقاسم أسهمها المنتفعون، ولا راية تُرفع عند الحاجة ثم تُطوى عند أول منعطف. الوطن عهد أخلاقي قبل أن يكون مشروعاً سياسياً، ومسؤولية تاريخية قبل أن يكون منصة للظهور أو وسيلة للنفوذ.

وسيبقى الفرق شاسعاً بين من يحمل الوطن في قلبه، ومن يحمله في جيبه؛ بين من يدفع ثمن مواقفه، ومن يقبض ثمن تبدلها؛ وبين من يبقى وفياً لمبادئه حتى النهاية، ومن يبيع كل شيء حين يلوح في الأفق بريق مصلحة عابرة.

فالأوطان لا تبنى بالخطابات، ولا تُحمى بالمزايدات، وإنما تنهض برجال ونساء إذا اؤتمنوا لم يخونوا، وإذا اختلفوا لم يتاجروا، وإذا ضاقت بهم السبل ظلوا أوفياء للحقيقة، لأن النجاح الحقيقي يبدأ من الأخلاق، وينتهي عند ضمير لا يعرف المساومة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!