
عبدالعزيز بخات
لم تكن الحرب التي اندلعت في السودان مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متنازعة، بل مثلت زلزالاً وطنياً عصف بمقومات الأمن والاستقرار وسيادة القانون، وأدى إلى تعطيل مؤسسات الدولة في مناطق واسعة من البلاد، ودفع ملايين السودانيين إلى النزوح الداخلي أو اللجوء إلى دول الجوار بحثاً عن الأمان وحماية الأرواح والممتلكات.
وفي مثل هذه الظروف الاستثنائية، لا ينبغي أن يتراجع دور القانون أو يتوارى خلف اعتبارات الواقع، بل يصبح حضوره أكثر إلحاحاً وضرورة. فالقانون لم يُنشأ ليعمل فقط في أوقات السلم والاستقرار، وإنما ليحمي الإنسان عندما تضيق به السبل وتتعاظم الأخطار. ومن هنا تبرز واحدة من أكثر القضايا القانونية والحقوقية حساسية في المرحلة الراهنة، وهي مسألة إنهاء خدمة الموظفين الذين أجبرتهم الحرب على مغادرة البلاد أو البقاء خارجها، وما إذا كان يجوز قانوناً وأخلاقياً أن تتحول العودة إلى وطن لا تزال تدور فيه العمليات العسكرية إلى شرط للاستمرار في الوظيفة العامة.
إن القضية تتجاوز في جوهرها حدود العلاقة الوظيفية التقليدية بين الموظف والدولة، لتلامس أسئلة عميقة تتعلق بحدود السلطة الإدارية، ومدى التزام الدولة بمبادئ المشروعية والعدالة والإنصاف في أوقات الأزمات. فالحرب، بحكم طبيعتها، ظرف قاهر لا يملكه الفرد ولا يستطيع التحكم في نتائجه، ومن غير المقبول قانوناً أن تتحول آثارها إلى عقوبة إضافية يتحملها الضحايا أنفسهم.
لقد استقرت المبادئ القانونية الحديثة على أن الوظيفة العامة ليست منحة تمنحها السلطة متى شاءت وتسحبها متى أرادت، وإنما هي مركز قانوني ينشأ وينظم وينتهي وفق أحكام القانون وحده. ولذلك فإن إنهاء خدمة الموظف يجب أن يستند إلى أسباب قانونية محددة وواضحة، وأن يخضع لضمانات إجرائية تكفل حق الدفاع والمساواة والعدالة. أما استحداث أسباب جديدة للفصل أو الإبعاد لم ينص عليها القانون، تحت أي مبرر إداري أو سياسي، فإنه يمثل خروجاً على مبدأ المشروعية الذي تقوم عليه الدولة الحديثة.
ومن المسلمات الراسخة في الفقه والقضاء أن الحرب تعد نموذجاً مكتمل الأركان للقوة القاهرة؛ فهي ظرف استثنائي عام لا يد للفرد في نشأته أو دفع آثاره، ويجعل تنفيذ الالتزامات مستحيلاً أو بالغ المشقة. ولهذا استقر الفقه القانوني على أن القوة القاهرة ترفع المسؤولية ولا تؤسس للجزاء، لأن المسؤولية القانونية تفترض القدرة على الفعل والاختيار، فإذا انتفت هذه القدرة بسبب ظرف خارج عن الإرادة انتفت معها مشروعية العقاب.
وعليه، فإن الموظف الذي اضطر إلى مغادرة السودان حفاظاً على حياته أو حياة أسرته، أو الذي تعذر عليه العودة بسبب استمرار المخاطر الأمنية، لا يمكن افتراض أنه تخلى عن وظيفته بإرادته الحرة أو أنه امتنع عن أداء واجباته الوظيفية اختياراً. فبينه وبين أداء تلك الواجبات وقفت الحرب بما حملته من مخاطر وانهيار للخدمات وتعطل لوسائل النقل وفقدان للضمانات الأساسية التي تمكن الإنسان من ممارسة حياته بصورة طبيعية.
كما أن الحق في الحياة والحق في الأمن الشخصي يظلان في مقدمة الحقوق الأساسية التي تعلو على سائر الالتزامات الإدارية. فلا يجوز لأي تفسير قانوني أو قرار إداري أن يضع الإنسان أمام خيار قاسٍ بين المحافظة على حياته والمحافظة على وظيفته. ذلك أن حماية النفس ليست مجرد حق من حقوق الإنسان، وإنما هي أصل من أصول العدالة وركيزة من ركائز القانون ذاته.
ويجد هذا الفهم سنده كذلك في قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان. فالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كفل الحق في العمل والحماية من الحرمان التعسفي من أسباب كسب العيش، بينما أكد الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب الحق في الكرامة والأمن وعدم التمييز. كما أرست اتفاقية اللاجئين لعام 1951 مبادئ الحماية الدولية للأشخاص الذين اضطروا إلى مغادرة أوطانهم بسبب الخوف المشروع على حياتهم وسلامتهم، وأكدت المبادئ التوجيهية للنزوح الداخلي أن النزوح القسري لا يجوز أن يكون سبباً للانتقاص من الحقوق الأساسية أو التمييز ضد المتضررين.
وفي السياق ذاته، شددت معايير منظمة العمل الدولية على أن إنهاء علاقة العمل يجب أن يستند إلى سبب مشروع ومبرر قانوني، وأن تضع الدول وأصحاب العمل في اعتبارهم الظروف الاستثنائية التي تحول دون تمكن العامل أو الموظف من أداء مهامه بسبب النزاعات المسلحة أو الكوارث أو غيرها من الوقائع الخارجة عن الإرادة. فالمبدأ العادل لا يقوم على تحميل الضحية وحدها نتائج الأزمة، وإنما على البحث عن حلول متوازنة تحفظ الحقوق وتصون المصلحة العامة في آن واحد.
وإذا كانت الدولة نفسها تعترف بوجود الحرب وما نتج عنها من نزوح ولجوء وتعطل للخدمات والمؤسسات، فإن مقتضى الاتساق القانوني يفرض عليها أن تأخذ هذه الوقائع بعين الاعتبار عند تقييم الأوضاع الوظيفية للعاملين المتأثرين بها. فلا يستقيم منطق القانون أن تعترف الدولة بالظرف الاستثنائي حين يتعلق الأمر بتفسير الواقع، ثم تتجاهله عندما يتعلق الأمر بحماية الحقوق.
كما أن مبدأ التناسب، وهو أحد أهم المبادئ الحاكمة للقرارات الإدارية الحديثة، يقتضي أن تكون الوسائل المستخدمة متناسبة مع الغايات المراد تحقيقها، وألا يترتب عليها مساس غير مبرر بالحقوق والحريات. فإذا كان الموظف عاجزاً عن العودة بسبب ظروف أمنية خارجة عن إرادته، فإن إنهاء خدمته يثير تساؤلات قانونية جدية حول مدى توافق هذا الإجراء مع مقتضيات العدالة والإنصاف وحسن الإدارة.
ولا يعني ذلك تعطيل المرافق العامة أو إعفاء الموظفين من التزاماتهم الوظيفية، وإنما يعني البحث عن حلول قانونية وإدارية مرنة تستوعب خصوصية المرحلة الاستثنائية، وتحافظ على استمرارية الخدمة العامة دون الإضرار بالحقوق المكتسبة للعاملين. فالدولة التي تسعى إلى ترسيخ سيادة القانون مطالبة بأن توازن بين احتياجات الإدارة ومتطلبات العدالة، لا أن تجعل الضحايا يدفعون وحدهم ثمن الحرب.
إن قوة الدولة الحقيقية لا تقاس بعدد القرارات التي تصدرها، وإنما بمدى قدرتها على احترام القانون عندما تشتد الأزمات وتتعقد الظروف. فسيادة القانون لا تُختبر في أوقات الاستقرار، وإنما تظهر قيمتها الحقيقية عندما تواجه الدولة تحديات وجودية كالتي يمر بها السودان اليوم.
ويبقى السؤال القانوني والأخلاقي مطروحاً بإلحاح أمام المشرع والقضاء والإدارة والرأي العام: هل يجوز أن يصبح البحث عن النجاة سبباً لفقدان الوظيفة؟ وهل يتسق ذلك مع مبادئ العدالة والمشروعية وسيادة القانون؟ أم أن الواجب القانوني والإنساني يقتضي حماية حقوق المواطنين إلى أن يصبح الرجوع إلى الوطن ممكناً وآمناً وكريماً؟
إن التاريخ لا يخلد الحروب وحدها، بل يخلد أيضاً الطريقة التي تعاملت بها الدول مع مواطنيها أثناء الحروب. ولذلك فإن احترام الحقوق في زمن الأزمات سيظل المعيار الأصدق لقياس قوة الدولة، وامتحاناً حقيقياً لمدى إيمانها بالقانون والعدالة والكرامة الإنسانية.




