رأي

حميدتي والتعايشي! معركة الشرعية تبدأ من نيالا

فاطمة لقاوة

 

فاطمة لقاوة

في النزاعات الداخلية لا تُحسم المعارك بالبندقية وحدها، بل بقدرة أي طرف على إقناع السكان بأنه قادر على إدارة حياتهم اليومية، ومن هنا تكتسب إمتحانات الشهادة السودانية التي أُقيمت في نيالا أهمية تتجاوز حدود العملية التعليمية، لتصبح حدثًا سياسياً يحمل رسائل تتعلق بالشرعية وبناء السلطة.

حضور الفريق أول محمد حمدان دقلو “حميدتي”رئيس المجلس الرئاسي لإحتفال ختام الإمتحانات لم يكن مجرد مشاركة إجتماعية، كما أن الخطاب الذي قدمه رئيس مجلس الوزراء محمد حسن التعايشي في أخر يوم لإمتحانات الشهادة الثانوية، لم يكن خطاباً إحتفالياً عادياً، بل جاء ضمن رؤية سياسية متكاملة تسعى إلى إظهار أن المشروع الذي تقوده حكومة السلام المتسيطرة على اقليم دارفور و ولاية غرب كردفان، لم يعد مشروعاً عسكرياً فحسب، وإنما مشروع إدارة وحكم.

لقد أدرك حميدتي والتعايشي أن المجتمع الدولي قد يختلف حول الإعتراف السياسي، لكنه لا يستطيع تجاهل الوقائع التي تُفرض على الأرض، ولذلك إنتقلت المعركة من السيطرة على المدن إلى القدرة على تشغيل المدارس، وتنظيم الإمتحانات، وإدارة المؤسسات، وتقديم الخدمات الأساسية، فالسلطة في نهاية المطاف لا تُقاس فقط بعدد المقاتلين، وإنما بقدرتها على ضمان إستمرار الحياة.

ولعل إختيار التعليم تحديداً لم يكن مصادفة، فهو يمثل أكثر مؤسسات الدولة إلتصاقاً بالمجتمع، ونجاح الإمتحانات يبعث برسالة إلى ملايين الأسر بأن هناك جهة قادرة على حماية مستقبل أبنائهم رغم ظروف الحرب، وهذه الرسالة تحمل وزناً سياسياً أكبر من كثير من البيانات العسكرية أو التصريحات الإعلامية.

توزيع الأدوار بدا واضحاً؛ فبينما حافظ حميدتي على حضوره الميداني والشعبي بإعتباره قائد المشروع، تولى التعايشي تقديم الخطاب السياسي الذي يربط بين الخدمات العامة ومفهوم الدولة، ويطرح سردية ترى أن تعطيل التعليم والخدمات كان نتيجة الحرب وإستهداف البنية المدنية، لا نتيجة عجز الإدارة الجديدة وحدها.

هذا المسار لا يخلو من تحديات كبيرة،فبناء مؤسسات محلية أو إدارة خدمات عامة لا يعني تلقائياً الحصول على الإعتراف الداخلي أو الخارجي، كما أن إستدامة أي مشروع سياسي ستظل رهينة بقدرته على تحقيق الأمن، وتوفير الموارد، والحفاظ على حياد المؤسسات المدنية، والأهم الوصول إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب.

ما حدث في نيالا يكشف حقيقة يصعب تجاهلها، وهي أن الصراع في السودان دخل مرحلة جديدة؛ مرحلة التنافس على إنتاج الشرعية عبر المؤسسات والخدمات، وليس عبر الميدان العسكري وحده، وهذه المرحلة قد تكون أكثر تأثيراً في رسم مستقبل البلاد من كثير من المواجهات المسلحة.

حميدتي والتعايشي يبعثان من نيالا برسالة سياسية واضحة: إن كسب معركة الدولة يبدأ من كسب ثقة المجتمع، وأن الشرعية لا تُبنى فقط عبر الإعتراف الخارجي، بل أيضاً عبر القدرة على إدارة حياة الناس. يبقى السؤال الأكبر: هل تستطيع هذه التجربة أن تتحول إلى نموذج مستدام؟! هذا ما ستجيب عليه الأيام القادمات.

ولنا عودة بإذن الله

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!