
تمهيد
منذ تأسيسه في عام 1925 عقب ثورة 1924 ضد المستعمر، ظلّ الجيش السوداني مؤسسة مثيرة للجدل، لا سيما أنه خرج من رحم الاستعمار الأنغلو-مصري، بعقلية أمنية هدفها الأول السيطرة لا الحماية. ومع مرور العقود، لم يتحول الجيش إلى مؤسسة وطنية راسخة كما حلم السودانيون، بل صار في نظر كثيرين أداة لإدامة الأزمات الداخلية وصناعة الصراعات التي تُبقيه على رأس السلطة. ثورة ديسمبر 2018–2019 كانت الحدث المفصلي الذي فضح عُري هذه المؤسسة، وكشف للشعب والعالم أنها لا تحميه، بل تُعطّل انتصاره وتقدمه.
جذور المؤسسة
تأسس الجيش السوداني في إطار الكوندومينيوم الأنغلو–مصري، حين شكّل البريطانيون “قوات الدفاع السودانية” عام 1925 لضبط الأمن وقمع أي تحركات معارضة. كانت عقيدته الأولى قائمة على الولاء للحكم الأجنبي أكثر من الولاء للشعب، وهو ما زرع بذور عقلية الاستعلاء على المواطنين. ومع أن الاستقلال عام 1956 منح السودان جيشًا وطنيًا بالاسم، فإن الممارسات بقيت امتدادًا لعقلية السيطرة والاستبداد، لا عقلية الخدمة الوطنية.
صناعة الميلشيات والمرتزقة
أخطر ما ارتبط بالجيش هو صناعة الميلشيات والمرتزقة. فقد سمح بإنشاء مجموعات مسلحة موازية، استخدمت كأدوات قمع في مناطق النزاع. هذه التشكيلات تحولت إلى قوة منهازة لشعب السودان؛ قوة تُنهك المجتمع بدل حمايته، وتنهب موارده بدل تنميتها. الجيش نفسه لم يسعَ إلى تفكيكها بجدية، بل حاسبها أحيانًا حينما تمردت عليه لا لأنها أجرمت في حق الشعب. هذا يوضح أن المؤسسة العسكرية لم تكن يومًا معنية بإنصاف السودانيين، بل باستدامة دوامة الصراع التي تمنحه المبرر للبقاء لاعبًا أساسيًا في الحكم.
الانتهاكات والقمع
منذ الحرب الأهلية الأولى وحتى دارفور والجنوب، استخدم الجيش القوة المفرطة ضد المدنيين: قتل، تهجير، تدمير قرى، ونهب ممتلكات. وفي مجزرة 3 يونيو 2019 بالخرطوم، تجسّد القمع في أوضح صوره حين استُخدمت الرصاصات والاغتصاب كسلاح لإخماد ثورة سلمية. هذه الأحداث رسّخت صورة الجيش كمؤسسة تقاتل الشعب بدل أن تحميه.
نهب الموارد والاقتصاد
لم يتوقف دور الجيش عند حدود القمع، بل امتد إلى الاقتصاد. تقارير عديدة كشفت تورط جهات عسكرية في السيطرة على الذهب، النفط، والأراضي الزراعية. ثروات السودان صارت تُدار كغنائم بيد القادة العسكريين وحلفائهم، فيما يعيش المواطن في فقر وانعدام للخدمات. هذا النهب الممنهج جعل الجيش خصمًا للتنمية بدل أن يكون رافدًا لها.
عقلية الاستدامة عبر الأزمات
أخطر ما يمكن رصده هو أن الجيش جعل من الأزمة مشروعًا دائمًا. فهو يصنع الصراعات ويسلّحها، ثم يعود ليقمعها، ليُبرر زيادة ميزانياته وتوسيع نفوذه. هذه العقلية جعلت السودان يدور في حلقة مفرغة: لا سلم دائم، ولا استقرار، ولا دولة مواطنة حقيقية. بل وطن ممزق تزداد جراحه كلما طال بقاء المؤسسة العسكرية بلا إصلاح.
ثورة ديسمبر: لحظة كشف العورة
جاءت ثورة ديسمبر لتفضح الحقيقة: أن الجيش كان يتستّر خلف الأحزاب القديمة ذات الأجندات المستوردة من الخارج، وخاصة من مصر، ليحافظ على نفوذه. لكنها المرة الأولى التي واجهه فيها الشعب بوعي جديد، فأسقط هيبته الزائفة، وعرّاه أمام الداخل والخارج. هذه الثورة أعطت السودان فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.
الطريق إلى الأمام: حكومة التأسيس
لكي ينهض السودان، لا بد لحكومة تأسيس وطنية أن تضع ملف الجيش والشرطة والأمن أمامها بجرأة. التغيير الشامل لهذه المؤسسات شرط لبناء دولة جديدة. وتشمل الخطوات الضرورية:
1. السيطرة المدنية الكاملة: إخضاع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية المنتخبة، وفصلها عن الأحزاب والسياسة.
2. تفكيك الميلشيات: حلّ كل القوى المسلحة الموازية، ودمج المؤهل منها في جيش وطني مهني.
3. إصلاح أمني شامل: إعادة هيكلة الأمن والشرطة على أساس المهنية واحترام حقوق الإنسان.
4. شراكات دولية: الانفتاح على الدول الصديقة، خاصة في أوروبا، لتقديم الدعم الفني والتدريب على بناء جيش وطني محترف.
5. المناهج التعليمية: تطوير مناهج تزرع قيم المواطنة، العدالة، والشفافية، لتكوين أجيال تحمي الدولة المدنية.
6. إدارات فنية متخصصة: تأسيس مؤسسات فنية لإدارة الموارد الطبيعية والاقتصادية لصالح الوطن، بعيدًا عن قبضة العسكر.
7. محاسبة الماضي: فتح ملفات الجرائم والانتهاكات، وتقديم المتورطين فيها للمحاكمات العادلة.
خاتمة
إن المؤسسة العسكرية في السودان لم تكن حاميًا للشعب، بل كثيرًا ما كانت خصمه. صنعت الصراعات، غذّت الميلشيات، ونهبت الموارد، وقمعت الثورات. لكن لحظة ديسمبر أعطت السودان فرصة لكسر الحلقة المفرغة، وبناء دولة جديدة تقوم على جيش وطني مهني خاضع للمدنيين، ومؤسسات تعليمية وفنية تقود التنمية. السودان يستحق أن يعيش، أن ينتصر، وأن يتقدم — ولن يتحقق ذلك إلا إذا كُسرت هيمنة الجيش على الدولة نهائيًا.




