السيادة تتآكل حين تفقد الدولة عملتها: الحرب على الجنيه السوداني.. كيف تحولت المعركة من ميادين القتال إلى السيطرة على تعريف المال؟
التنوير : تقرير آفريكا انتلجنس

التنوير : تقرير آفريكا انتلجنس
لم يعد الصراع السوداني الراهن مجرد مواجهة عسكرية تدور حول السيطرة على المدن والطرق الإستراتيجية ومراكز النفوذ التقليدية، بل انتقل إلى مستوى أكثر عمقاً وخطورة يتعلق بالسيطرة على أدوات الدولة نفسها. فبينما تتواصل المعارك على الأرض، تتشكل في الخلفية معركة أخرى لا تقل أهمية، تدور حول العملة والسيادة المالية وحق إصدار النقد وإدارة الدورة الاقتصادية.
وقد أعاد تقرير نشرته منصة Africa Intelligence مؤخراً تسليط الضوء على هذا التحول الجوهري، عبر تناوله الخطوات التي اتخذها تحالف “تأسيس” لبناء منظومة مالية مستقلة في المناطق الخاضعة لسيطرته، بما في ذلك طرح عملة جديدة وتطوير شبكات تحويل مالي بديلة. وهو تطور يتجاوز في دلالاته حدود الإجراءات الاقتصادية التقليدية ليطرح سؤالاً مركزياً حول مستقبل الدولة السودانية نفسها.
حين تبدأ الدول بفقدان احتكار النقد
في العلوم السياسية والاقتصادية تُعرّف الدولة الحديثة بأنها الكيان الذي يحتكر ثلاث وظائف أساسية: استخدام القوة المشروعة، وجمع الضرائب، وإصدار العملة. وعندما تبدأ إحدى هذه الركائز بالتآكل فإن الدولة تدخل تلقائياً في مرحلة اضطراب عميق قد يقود إلى إعادة تشكيل بنيتها بالكامل.
ومن هذا المنظور فإن ما تشهده الساحة السودانية اليوم يتجاوز مجرد أزمة نقدية أو اختلالات مالية عابرة. فالمؤشرات المتراكمة توحي بأن احتكار الدولة لإدارة المجال النقدي لم يعد مطلقاً كما كان، وأن واقعاً اقتصادياً موازياً بدأ يتشكل خارج المؤسسات التقليدية التي كانت تحتكر إدارة المال والسيولة.
ولذلك تبدو قضية العملة الجديدة أو أنظمة الدفع البديلة أكثر من مجرد إجراء اقتصادي؛ إنها إعلان عملي عن انتقال جزء من وظائف الدولة إلى فضاء سياسي واقتصادي مختلف.
اقتصاد الحرب يبتلع الاقتصاد الوطني
لم يكن الدمار الذي أصاب الخرطوم ومناطق واسعة من السودان مجرد خسارة عمرانية أو إنسانية، بل أدى إلى تعطيل القلب الاقتصادي الذي ظل لعقود مركزاً للنشاط الصناعي والتجاري والخدمي.
وفي المقابل تشكلت في مناطق عديدة أنماط جديدة من الاقتصاد ترتبط بظروف الحرب ومتطلباتها، حيث أصبحت التجارة الحدودية والذهب والأنشطة غير الرسمية تمثل مصادر رئيسية للحركة المالية.
هذا التحول أدى إلى انكماش القاعدة الإنتاجية التقليدية للدولة وتراجع قدرتها على تحصيل الإيرادات والضرائب، بينما توسعت مساحات الاقتصاد الموازي بصورة غير مسبوقة.
ومع اتساع هذا الواقع الجديد لم يعد الاقتصاد السوداني يعمل وفق منظومة وطنية موحدة كما كان سابقاً، بل بات أقرب إلى مجموعة اقتصادات محلية متجاورة تختلف فيها مصادر الدخل وأنماط التبادل وأدوات الدفع.
الفجوة التي كشفت الحقيقة
ربما لا يوجد مؤشر أكثر وضوحاً على حجم الأزمة من الفجوة الهائلة بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية.
فعندما يبقى السعر الرسمي بعيداً بأضعاف مضاعفة عن السعر الفعلي الذي يتعامل به المواطنون والتجار يومياً، فإن ذلك يعني أن السوق فقدت ثقتها في المؤشرات الرسمية، وأن آليات العرض والطلب أصبحت تعمل خارج الإطار الذي تحاول المؤسسات الحكومية فرضه.
وفي التجارب الاقتصادية العالمية غالباً ما تكون هذه الفجوة إحدى العلامات المبكرة على فقدان الدولة قدرتها على التأثير الفعلي في حركة النقد والأسواق.
فالسعر الحقيقي لأي عملة لا تحدده القرارات الإدارية وحدها، بل تحدده الثقة العامة والقدرة على الحفاظ على القيمة الشرائية واستقرار الاقتصاد الكلي.
الجنيه السوداني.. رحلة التآكل الكبرى
منذ اندلاع الحرب شهد الجنيه السوداني واحدة من أسرع موجات التراجع في تاريخه الحديث.
فالعملة التي كانت تتداول عند مستويات مختلفة تماماً قبل الحرب فقدت الجزء الأكبر من قيمتها خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً، الأمر الذي انعكس مباشرة على مستويات المعيشة وأسعار السلع والخدمات.
ولم يعد أثر التراجع مقتصراً على الأرقام المجردة في شاشات الصرافة، بل أصبح واقعاً يومياً يعيشه المواطن في الأسواق ووسائل النقل والخدمات الأساسية.
فكل انخفاض جديد في قيمة الجنيه يعني عملياً تراجعاً موازياً في القدرة الشرائية وارتفاعاً إضافياً في كلفة الحياة.
الأرقام لا تكذب
تكشف المؤشرات الاقتصادية المتداولة أن الاقتصاد السوداني يواجه ضغوطاً غير مسبوقة تتمثل في التضخم المرتفع وتآكل الدخول الحقيقية وتراجع القوة الشرائية لمعظم الفئات الاجتماعية.
وقد أصبحت الزيادات المتلاحقة في أسعار السلع الأساسية والغذاء والنقل والطاقة جزءاً من المشهد اليومي للمواطنين.
كما أن اتساع الفارق بين الأجور والأسعار أدى إلى تآكل الطبقة الوسطى بصورة متسارعة، ودفع أعداداً كبيرة من العاملين وأصحاب المهن إلى دائرة الفقر أو الهشاشة الاقتصادية.
وفي مثل هذه البيئات تصبح العملة أقل قدرة على أداء وظائفها الطبيعية كمخزن للقيمة ووسيط للتبادل ووحدة للحساب.
من المعركة العسكرية إلى الحصار المالي
خلال المراحل الأولى من الحرب انصب التركيز على التحولات العسكرية والسيطرة الميدانية، لكن الأشهر الأخيرة كشفت انتقال الصراع إلى مستوى آخر أكثر تعقيداً.
فالأدوات المالية أصبحت جزءاً من المواجهة المباشرة بين الطرفين، سواء عبر التحكم في السيولة أو شبكات التحويل أو التجارة العابرة للحدود أو مصادر النقد الأجنبي.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الأطراف المختلفة لم تعد تنظر إلى الاقتصاد باعتباره مجرد انعكاس للحرب، بل باعتباره ساحة حرب قائمة بذاتها يمكن من خلالها تحقيق مكاسب إستراتيجية مؤثرة.
وهنا تبرز أهمية أنظمة الدفع الرقمية والقنوات المالية الجديدة التي بدأت تظهر خارج الأطر التقليدية.
حين يفقد المواطن ثقته بالمصارف
التاريخ الاقتصادي يؤكد أن الانهيارات الكبرى لا تبدأ عندما تنفد الأوراق النقدية من الخزائن، بل عندما يفقد الناس ثقتهم بالمؤسسات التي تدير تلك الأوراق.
وعندما يفضل المواطن الاحتفاظ بمدخراته في الذهب أو العملات الأجنبية أو الأصول العينية بدلاً من إيداعها في النظام المصرفي، فإن ذلك يمثل مؤشراً واضحاً على أزمة ثقة عميقة.
ويبدو أن السودان يعيش اليوم بعض ملامح هذه الظاهرة، حيث توسعت أنماط الادخار البديلة، وأصبحت المعاملات غير الرسمية تستحوذ على جزء متزايد من النشاط المالي.
وفي مثل هذه الظروف تصبح محاولات ضبط السوق عبر الإجراءات الإدارية وحدها محدودة الفعالية ما لم تُعالج الأسباب الهيكلية للأزمة.
دروس زيمبابوي ولبنان
لا يقدم التاريخ الاقتصادي كثيراً من الأمثلة المطمئنة للدول التي واجهت أزمات نقدية حادة دون إصلاحات هيكلية عميقة.
ففي زيمبابوي أدى التوسع النقدي غير المنضبط إلى انهيار تاريخي للعملة، بينما أظهرت التجربة اللبنانية أن تثبيت سعر الصرف لفترات طويلة دون معالجة الاختلالات البنيوية يؤدي في النهاية إلى انفجار الأزمة بصورة أكثر عنفاً.
ورغم اختلاف الظروف بين هذه الحالات والسودان، فإن القاسم المشترك بينها جميعاً يتمثل في أن الثقة كانت العنصر الحاسم في مسار الانهيار أو التعافي.
فحين تفقد الأسواق ثقتها في قدرة المؤسسات على إدارة الاقتصاد تصبح الأدوات التقليدية أقل تأثيراً مع مرور الوقت.
من يملك حق تعريف المال؟
السؤال الأكثر أهمية اليوم لم يعد متعلقاً بسعر الدولار أو حجم التضخم فقط، بل يتعلق بطبيعة السلطة التي تمتلك حق تعريف المال نفسه.
من يحدد القيمة؟
من يفرض وسيلة التبادل؟
ومن يحوز ثقة المواطنين والتجار والمستثمرين؟
هذه الأسئلة أصبحت جزءاً من جوهر الصراع السوداني المعاصر، لأن الإجابة عنها تحدد بصورة مباشرة شكل الدولة التي قد تخرج من هذه الحرب.
فإذا انتقلت الثقة تدريجياً إلى مؤسسات أو شبكات مالية خارج الإطار الرسمي، فإن ذلك يعني أن جزءاً من وظائف الدولة السيادية بدأ يتحرك نحو مراكز قوة جديدة.
الدولة بين الشرعية والسيولة
تواجه سلطة بورتسودان اليوم تحديات متشابكة تشمل الضغوط العسكرية والاختلالات الاقتصادية وتراجع الإيرادات وصعوبة إعادة دمج الاقتصاد السوداني في المنظومة المالية الدولية بالسرعة المطلوبة.
وفي المقابل تسعى حكومة “تأسيس” إلى بناء أدوات مالية وإدارية تعزز حضورها في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، بما يمنحها قدرة أكبر على إدارة النشاط الاقتصادي بعيداً عن المؤسسات التقليدية.
وبين هذين المسارين تتشكل ملامح مرحلة جديدة قد تعيد تعريف العلاقة بين السلطة والاقتصاد في السودان.
معركة الدولة قبل معركة العملة
إن ما يجري اليوم ليس مجرد أزمة سعر صرف أو صراع حول أوراق نقدية جديدة وقديمة، بل مواجهة تتعلق بمستقبل الدولة السودانية ذاتها. فحين تتآكل الثقة في العملة، وتتوسع الأسواق الموازية، وتتعدد مراكز القرار المالي، تصبح الأزمة أعمق من أن تُختزل في مؤشرات مصرفية أو قرارات نقدية.
لقد دخل السودان مرحلة أصبحت فيها المعركة على تعريف المال جزءاً من المعركة على تعريف الدولة. ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: كم يساوي الجنيه السوداني اليوم؟ بل: من سيملك غداً سلطة منحه القيمة والثقة والشرعية؟
ففي نهاية المطاف، لا تنتصر العملات بقوة الحبر الذي تُطبع به، وإنما بقوة الثقة التي تحملها في وجدان الناس.



