
صفاء الزين
يجب تسليم عمر البشير وزمرته فورًا إلى المحكمة الجنائية الدولية الـ (ICC)، وذلك ليس لأنه مطالب بموجب القرار 1593 لما ارتكبه من فظائع في إقليم دارفور، ولكن لأن ما جرى في السودان منذ عام 1989م فتح أبواب حقبة سوداء دفعت البلاد ثمنها من أمنها واستقرارها ومستقبل أجيالها، سنوات طويلة تحولت خلالها الدولة من وطن يحمل آمال شعبه إلى ساحة أنهكتها الأزمات والانقسامات والنزيف المستمر.
السودان دخل هذا النفق عبر مسار سياسي طويل قاد إلى تراكم الأزمات وتفاقمها، والكوارث التي تعيشها البلاد اليوم ارتبطت بسياسات وممارسات دفعت الدولة نحو التآكل والانقسام والإنهاك، ومن أمسك بمفاصل السلطة طوال تلك السنوات يتحمل مسؤولية سياسية وتاريخية عن وطن أُثقل بالجراح وأُرهق بالخراب.
وعلى امتداد تلك المرحلة، جرى تعميق الشروخ داخل المجتمع السوداني، وتغذية الانقسامات والعصبيات حتى تمددت داخل النسيج الوطني كالنار في الهشيم، وتحولت الفوارق إلى أدوات للفرقة، وأصبح الوطن يحمل ندوبًا تراكمت عامًا بعد عام، حتى وصلت آثارها إلى كل بيت سوداني تقريبًا واستمرت تلك الجرائم حتى تجاوزت قرارات مجلس الأمن الدولي أكثر من 60 قرار بعضها تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وأخطرها (1590- 1591- 1590 – 1706).
وتعرض اقتصاد البلاد خلال هذه الفترة لاستنزاف قاسٍ، وتحولت موارد السودان ومقدراته إلى ساحات نفوذ وصراع، بينما واجه ملايين السودانيين الفقر والانهيار وضيق سبل العيش، وطن يملك من الثروات والإمكانات ما يؤهله لصناعة مستقبل واعد، وجد نفسه محاصرًا بالأزمات والتراجع والاختناق الاقتصادي.
وتراجع التعليم، وتآكل القطاع الصحي، وفقدت مؤسسات الدولة كثيرًا من قدرتها على أداء رسالتها الأساسية. ومع تراجع التعليم تضاءلت فرص بناء المستقبل، ومع تدهور الخدمات الصحية أصبحت حياة الإنسان أكثر هشاشة في مواجهة واقع يزداد قسوة يومًا بعد آخر.
وفي المجال السياسي، ارتبطت تلك الحقبة في ذاكرة قطاعات واسعة من السودانيين بالإبادة الجماعية والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية وجرائم العدوان والقمع والملاحقات والاعتقالات والانتهاكات التي طالت المعارضين والمنتقدين، وامتلأت الذاكرة الوطنية بشهادات وتقارير واتهامات خلّفت جراحًا عميقة ما تزال تلقي بظلالها على حاضر البلاد.
والقضية تمتد آثارها إلى ما يتجاوز الماضي، إذ ما تزال نتائج ذلك المسار تتحرك داخل المشهد السوداني، وما تزال البلاد تدفع كلفة سنوات طويلة من السياسات والصراعات التي قادت السودان إلى هذه اللحظة بالغة التعقيد.
ولهذا، فإن تسليم عمر البشير وزمرته المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية يتصل بحق الضحايا في العدالة، ونرى كيف تسوف سلطة الأمر الواقع في إقامة العدالة التي جعلتها سيفا مسلطا على الضعفاء والكبرياء تحت طائلة تهمة التعاون، كما يتصل أيضا بحق الأجيال القادمة في الاندماج في المنظومة العدلية الدولية، وبحق السودان في المساءلة وسيادة القانون، فالدول التي تؤجل المحاسبة تُبقي جراحها مفتوحة، وتورث أزماتها للأجيال، وتعيد إنتاج دوائر العنف وعدم الاستقرار مهما تبدلت الوجوه وتغيرت المواقع، وتسليمه أو إلقاء القبض عليه سيكون أبلغ رسالة لعدم الإفلات من العقاب.




