من “الشرعية الثورية” إلى “الشرعية المؤسسية” (2) نحو تأسيس الحكم الراشد في السودان الجديد الإنتقال من “اقتصاد الحرب” إلى “اقتصاد الدولة”.. هندسة الموارد والتشريعات لبناء الرفاه
مجدي محمد مصطفى ماكن

مجدي محمد مصطفى ماكن
مقدمة:
يقول المثل السوداني البسيط والعميق: “المال السائب يعلم السرقة”. وفي سياق بناء الدول، نقول: “المال السائب يصنع الطغاة”.
إن أخطر ما يواجه “تحالف تأسيس” ومشروع السودان الجديد اليوم ليس فقط التحدي العسكري، بل تحدي “إدارة الموارد المالية”. فالدولة القديمة (دولة 56) لم تسقط عسكرياً فقط، بل سقطت أخلاقياً لأنها حولت “المال العام” إلى “مال خاص” للنخب والجنرالات.
اليوم، ونحن ندير مناطق شاسعة وموارد ضخمة، إذا لم نضع نظاماً مالياً صارماً وشفافاً، فإننا سنعيد إنتاج نفس “مافيا الفساد” ولكن بوجوه جديدة، وسنفتح الباب واسعاً أمام الانتهازيين ليتسللوا إلى مفاصل القرار عبر بوابة المال.
أولاً: مبدأ “وحدة الخزينة”.. لا لجيوب القادة
الخطوة الأولى في الحوكمة المالية هي إنهاء ظاهرة “تعدد الجيوب”.
لا يعقل في دولة مؤسسات أن يقوم كل مسؤول محلي، أو كل نقطة تفتيش، بجمع الإيرادات (الجبايات، العوائد، التبرعات) والصرف منها بمعرفته الشخصية دون حسيب أو رقيب.
هذا الوضع هو “الوصفة المثالية” للفساد وتكوين مراكز نفوذ “ميليشياوية” داخل الدولة.
الحل المؤسسي:
يجب تأسيس “الخزينة المركزية لإدارة الموارد” تتبع للحكومة المدنية للتحالف. تصب فيها كل الإيرادات (من الذهب، الصادرات، الجمارك، ورسوم العبور)، ومنها تخرج الميزانيات وفق “بنود صرف” معلومة ومجازة.
المال يجب أن يخرج من “سلطة البندقية” ويدخل تحت “سلطة القانون”.
ثانياً: عقود المشتريات.. “الثقب الأسود”
من أين يدخل الكيزان إلى اقتصاد المناطق المحررة؟ يدخلون عبر بوابة “المشتريات والعطاءات”.
عندما تحتاج الإدارة لشراء وقود، أو دواء، أو مواد إعاشة، لا يجب أن يتم اسناد الأمر لـ “فلان” لأنه قريب القائد الفلاني، أو “لكوز” متخفي يملك المال الجاهز ويدفع الرشاوى.
هنا يتم نهب المال العام مرتين: مرة عبر الأسعار المضخمة، ومرة عبر تمكين أعداء المشروع اقتصادياً.
الحل المؤسسي:
تطبيق نظام “العطاءات المفتوحة”. أي مشتريات حكومية يجب أن تُطرح بشفافية، وتتنافس عليها الشركات والموردون وفق معايير الكفاءة والسعر، مع حظر التعامل التام مع الشركات المرتبطة بمنظومة الكيزان أو واجهاتهم المعروفة.
ثالثاً: مبدأ “تتبع المسار” (Follow the Money)
المال هو شريان الحياة، لكنه أيضاً شريان الفساد.
نحتاج لتفعيل نظام رقابي صارم يسأل: “من أين لك هذا؟”
إذا ظهر ثراء فاحش مفاجئ على مسؤول في التحالف، أو قائد، أو موظف في الإدارة المدنية، فيجب أن يُسأل فوراً.
لا يجب أن يسمح التحالف بتربية “قطط سمان” جديدة كما تربت بمال “الدولة” في عهد الكيزان، ذلك خيانة لدماء الشهداء الذين ماتوا وهم لا يملكون ثمن الكفن.
يجب مراقبة حركة الأموال في الأسواق لمنع “غسيل الأموال” الذي يمارسه الكيزان لتحويل أموالهم المنهوبة إلى أصول عقارية أو ذهب داخل مناطقنا.
رابعاً: “ديوان المراجعة الثوري”.. العين التي لا تنام
لا توجد دولة تقوم على “الثقة” فقط؛ الدول تقوم على “الرقابة”.
نقترح تشكيل “ديوان المراجعة العامة الثوري”، يتبع مباشرة لأعلى سلطة تشريعية في التحالف.
مهامه: مراجعة كل قرش دخل أو خرج من خزينة أي محلية أو وحدة إدارية.
صلاحياته: يمتلك حق التفتيش المفاجئ، وحق إحالة أي شبهة فساد إلى “نيابة الأموال العامة” فوراً، مهما كانت رتبة أو مكانة الشخص المتورط.
ختاماً: الفساد هو “الطابور الخامس”
إن المعركة الاقتصادية لا تقل شرارة عن المعركة العسكرية.
إن الفساد المالي ليس مجرد “سرقة”؛ إنه “خيانة عظمى”. لأنه يحرم الجريح من الدواء، والجندي من الذخيرة، والمواطن من الخدمة، ويصب هذا المال في جيوب قلة منتفعة ستكون أول من يبيع المشروع عند أول منعطف.
“تبييض الأموال” يبدأ بـ “تبييض الضمائر”. فلنبدأ بأنفسنا، ولنرسخ مبدأ: مال الدولة للشعب، وليست غنيمة للنخب و الانتهازيين.
في المقال القادم :
سنقتحم عش الدبابير: “الموارد البشرية والتعيينات”. كيف نمنع “المحاصصات” و المحسوبية، ونبني دولة الكفاءات؟ وكيف نمنع الكيزان من التسلل للمناصب الإدارية؟




