رأي

حق العودة الأكاديمية : المقاربة الرباعية لإحياء التعليم العالي في مناطق حكومة السلام الانتقالية

نجوى بابو

 

 

نجوى بابو

لم يكن انهيار منظومة التعليم العالي في السودان نتيجة جانبية للحرب، بل أحد أخطر تداعياتها الاستراتيجية، إذ أدى إلى تعطيل الجامعات، وانقطاع المسار الأكاديمي لمئات الآلاف من الطلاب، وتشريد آلاف أعضاء هيئة التدريس والباحثين، بما يهدد رأس المال البشري ويقوض فرص التعافي الوطني. وفي هذا السياق، تبرز قضية إعادة تشغيل مؤسسات التعليم العالي في مناطق حكومة السلام الانتقالية بوصفها أولوية سيادية، لا تقتصر على استئناف الدراسة، وإنما تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار المؤسسي والتنمية المستدامة.

ويقوم هذا التصور على رؤية متكاملة لإعادة إحياء الجامعات والكليات في الأقاليم، تشمل جامعات نيالا والضعين، وكلية التنمية بابنوسة، وكلية التربية النهود، وكلية التمريض بالفولة، وكلية الطب والبترول بالمجلد، وكلية الهندسة بالستيب، وكلية القرآن الكريم بالدبب، إلى جانب جميع مؤسسات التعليم العالي المغلقة في مناطق حكومة السلام الانتقالية. ولا يهدف المشروع إلى إعادة فتح القاعات الدراسية فحسب، بل إلى استعادة الدور التاريخي للجامعة باعتبارها مؤسسة لإنتاج المعرفة، وبناء الكفاءات، وتعزيز الاستقرار المجتمعي. وينطلق هذا المشروع من أربعة أبعاد مترابطة: سياسي، وقانوني، وإنساني، وتنموي، تشكل في مجموعها إطاراً متكاملاً لضمان حق العودة الأكاديمية.

يتمثل البعد السياسي في توظيف التعليم العالي كإحدى أدوات إعادة بناء الدولة وترسيخ الاستقرار. فالجامعات ليست مؤسسات تعليمية معزولة، وإنما مراكز لإنتاج النخب وإعداد القيادات وصناعة السياسات العامة. وإعادة تشغيلها تعكس قدرة حكومة السلام الانتقالية على استعادة وظائف الدولة الأساسية، وتحويل مناطق الاستقرار إلى مراكز للإنتاج العلمي والإداري بدلاً من بقائها مجرد ساحات للاستجابة الإنسانية. كما أن استيعاب الأساتذة والعلماء الذين أجبرتهم الحرب على النزوح، وتوفير بيئة مهنية مستقرة لهم، يسهم في الحد من هجرة الكفاءات، ويحافظ على المخزون العلمي الوطني، ويعزز وحدة المجتمع عبر مؤسسة أكاديمية جامعة تتجاوز الانقسامات السياسية والاجتماعية.

أما البعد القانوني، فيستند إلى أن الحق في التعليم حق أصيل تكفله المبادئ الدستورية والمواثيق الدولية، ولا يجوز تعطيله بسبب النزاعات المسلحة. ومن ثم، فإن نجاح المشروع يتطلب إصدار قرارات تنظيمية وتشريعية مرنة تتيح الندب والإلحاق المؤقت لأعضاء هيئة التدريس بين الجامعات، وضمان حقوقهم المالية والإدارية، إلى جانب اعتماد نظم للتوثيق الرقمي البديل للطلاب الذين فقدوا مستنداتهم بسبب الحرب، بما يضمن استمرار مسيرتهم الأكاديمية دون عوائق بيروقراطية. كما تقتضي المرحلة وضع أطر قانونية شفافة لإدارة الداخليات والصناديق المالية الجامعية، بما يعزز مبادئ الحوكمة ويرفع مستوى الثقة لدى المؤسسات الداعمة والشركاء الدوليين.

ويمثل البعد الإنساني الركيزة الأخلاقية للمشروع، لأنه ينظر إلى الطالب والأستاذ بوصفهما محور العملية التعليمية، وليس مجرد أرقام في سجلات الجامعات. فقد أفرزت الحرب أوضاعاً معيشية ونفسية بالغة التعقيد، الأمر الذي يجعل إعادة تأهيل الداخليات الجامعية وربطها ببرامج الإسناد الغذائي والمطابخ المجتمعية ضرورة عاجلة لتخفيف الأعباء عن الأسر المتضررة. كما ينبغي إطلاق برامج للتمهيد الأكاديمي لتعويض الفاقد التعليمي، وإنشاء وحدات للدعم والإرشاد النفسي بإشراف مختصين في علم النفس والاجتماع، لمساندة الطلاب في تجاوز آثار الحرب وإعادة دمجهم في بيئة تعليمية تعزز قيم التسامح والتعايش، وتواجه خطابات الكراهية والانقسام.

ويكتمل المشروع ببعده التنموي، الذي يجعل من الجامعة محركاً مباشراً لإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. فالكليات التطبيقية والطبية والهندسية والزراعية ليست مؤسسات لمنح الشهادات فقط، وإنما بيوت خبرة قادرة على تقديم حلول عملية لتحديات المياه، والصحة، والطاقة، والزراعة، والإدارة المحلية، وإعادة بناء مؤسسات الخدمة المدنية. ومن هذا المنطلق، فإن الاستثمار في إعادة تشغيل جامعات وكليات غرب السودان يمثل استثماراً في مستقبل الدولة نفسها، لأنه يربط مخرجات التعليم باحتياجات المجتمع، ويحول المعرفة إلى قوة منتجة تدعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

لقد أثبتت تجارب الدول الخارجة من النزاعات أن السلام لا يترسخ بالاتفاقات السياسية وحدها، وإنما بالمؤسسات القادرة على إنتاج المعرفة، وتأهيل الكفاءات، وخلق الفرص أمام الشباب. فالجامعة، إلى جانب المدرسة والمستشفى والمزرعة والمصنع، تمثل إحدى الدعائم الأساسية لبناء الدولة الحديثة. ولذلك فإن إعادة إحياء التعليم العالي في مناطق حكومة السلام الانتقالية ليست خياراً تعليمياً فحسب، بل مشروعاً وطنياً يعيد بناء الإنسان قبل البنيان، ويحفظ العقول من الضياع، ويحول أقاليم دارفور وكردفان من ساحات تأثرت بالحرب إلى مراكز للعلم والتنمية والاستقرار، لتصبح العودة الأكاديمية المدخل الحقيقي للعودة الوطنية الشاملة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!