رأي

حكومة السلام تعيد ترتيب أسئلة الحرب والسلام : الحقائق تصرع السرديات الدولية المنحازة

نجم الدين دريسة 

 

نجم الدين دريسة 

حماية المدنيين مسؤولية جماعية لا امتيازاً لطرف دون آخر.

لم يكن بيان حكومة السلام الانتقالية بشأن مخرجات جلسة مجلس حقوق الإنسان المتعلقة بمدينة الأبيض مجرد رد سياسي على نقاش دولي عابر، ولا محاولة لتسجيل موقف إعلامي في خضم حرب معقدة ومتعددة الأبعاد، بل جاء بوصفه وثيقة سياسية وأخلاقية تضع جوهر الأزمة السودانية أمام العالم، وتعيد طرح السؤال الذي ظل غائباً عن كثير من المنابر الدولية: هل يريد المجتمع الدولي بالفعل إنهاء الحرب في السودان، أم أنه لا يزال يتعامل مع البلاد من خلال عدسات قديمة صنعتها مصالح النفوذ وميراث الوصاية الاستعمارية؟

لقد كشف الجدل الذي دار حول مدينة الأبيض حجم الاختلال الذي يطبع مقاربة كثير من القوى الدولية للأزمة السودانية. فبينما ترتفع الأصوات مطالبة بحماية المدنيين، وهو مطلب مشروع لا يختلف حوله اثنان، يجري في الوقت نفسه تجاهل الأسئلة الجوهرية المتعلقة بأسباب الحرب ومصادرها وبنية الدولة التي أنتجتها وأعادت إنتاجها لعقود طويلة. وهنا تكمن أهمية بيان حكومة السلام؛ إذ رفض اختزال المأساة السودانية في أحداث معزولة أو وقائع منفصلة عن سياقها التاريخي والسياسي، وأعاد النقاش إلى مربعه الصحيح: مربع العدالة المتوازنة والمساءلة الشاملة والحل السياسي الجذري.

إن الأزمة السودانية في حقيقتها ليست مجرد صراع على السلطة بين أطراف متنافسة، وليست نزاعاً عسكرياً يمكن احتواؤه عبر هدنة مؤقتة أو تسوية إجرائية محدودة. إنها أزمة تحرر وطني طويلة ضد بنية سياسية واقتصادية وأمنية تأسست منذ الاستقلال على استمرار نفوذ النخب المرتبطة بمراكز الهيمنة الخارجية، وعلى احتكار السلطة والثروة والقرار الوطني لصالح قلة ظلت تنظر إلى السودان باعتباره مزرعة سياسية مغلقة لا وطناً يتسع لجميع أبنائه.

ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم حالة الانزعاج التي يبديها بعض الفاعلين الدوليين تجاه التحولات الجارية في السودان. فالمسألة بالنسبة إلى كثير من دوائر النفوذ الدولية لا تتعلق فقط بالحرب أو السلام، بل بمستقبل الدولة السودانية نفسها. فهناك من اعتاد التعامل مع السودان عبر وكلاء محليين يديرون المصالح الخارجية ويعيدون إنتاج التبعية السياسية والاقتصادية والأمنية، ولذلك تبدو أي محاولة لبناء دولة جديدة قائمة على الإرادة الشعبية والعدالة والتوازن الإقليمي تهديداً مباشراً لمنظومة نفوذ عمرها عقود.

ولهذا السبب يبدو المشهد الدولي أحياناً وكأنه يكيل بأكثر من مكيال. فهناك انتهاكات تُرى وأخرى يتم تجاهلها، وضحايا يحظون بالتغطية وآخرون يُدفع بهم إلى هامش الاهتمام، وأطراف تُمنح حق السردية الكاملة بينما يُطلب من الآخرين الاكتفاء بالدفاع عن أنفسهم. وهذه ليست مقاربة قانونية ولا إنسانية، وإنما ممارسة سياسية تعكس اختلالاً عميقاً في فهم طبيعة الأزمة السودانية.

لقد كان موقف حكومة السلام الانتقالية واضحاً حين أكدت التزامها بالقانون الدولي الإنساني، وترحيبها بالتحقيقات المستقلة، ورفضها للإفلات من العقاب. غير أنها في الوقت نفسه رفضت تحويل القانون الدولي إلى أداة انتقائية تستخدم ضد طرف وتُعطل أمام طرف آخر. فالعدالة التي لا تشمل الجميع ليست عدالة، وحماية المدنيين التي تتجاهل جذور المأساة ليست حماية حقيقية، والسلام الذي يُبنى على إنكار الوقائع التاريخية لن يكون سوى هدنة مؤقتة تؤجل الانفجار القادم.

إن السودان يقف اليوم أمام لحظة تاريخية تتجاوز حدود الحرب الراهنة. فالمعركة الحقيقية ليست فقط من أجل وقف إطلاق النار، بل من أجل إنهاء دولة الامتيازات القديمة، وإسقاط البنية النخبوية التي احتكرت السلطة باسم المركز، وبناء دولة جديدة تقوم على المواطنة المتساوية والشراكة العادلة والاعتراف بالتنوع السوداني الواسع. وهذه هي الرسالة التي حملها بيان حكومة السلام بوضوح ومسؤولية.

أما المجتمع الدولي، فإن اختبار مصداقيته الحقيقي لا يكمن في عدد البيانات التي يصدرها أو الجلسات التي يعقدها، بل في قدرته على التخلي عن الروايات الجاهزة والانحيازات المسبقة، والنظر إلى السودان بوصفه شعباً يسعى للتحرر من إرث طويل من الوصاية والتهميش والتبعية. وعندها فقط يمكن للعالم أن يكون جزءاً من الحل لا امتداداً للمشكلة، وشريكاً في السلام لا حارساً لتوازنات الماضي التي أوصلت السودان إلى ما هو عليه اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!