رأي

البرهان بين القاهرة وبورتسودان… لعبة بلا سيادة

براءة حامد

 

براءة حامد 

في مشهدٍ يعكس اضطراب القرار السياسي داخل ما يُسمى بالمجلس السيادي في بورتسودان، صدر بيان رسمي ينفي فيه المجلس وجود أي مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع قوات الدعم السريع، واصفًا ما تم تداوله في هذا الشأن بأنه “عارٍ من الصحة”.

غير أن هذا البيان، الذي بدا في ظاهره توضيحًا رسميًا، جاء في جوهره تعبيرًا عن أزمة عميقة في بنية السلطة المزعومة التي تتخذ من بورتسودان مقرًا لها، وسقوطًا إضافيًا في هاوية التناقضات التي تحكم المشهد العسكري والسياسي في السودان.

إنّ الموقف المهزوز لعبدالفتاح البرهان لم يعد خافيًا على أحد؛ فهو لا يملك قرار الحرب، ولا يملك قرار السلام، وإنما يتحرك ضمن حدود الدور المرسوم له بعناية من القاهرة، تلك الدولة التي تتقن سياسة اللعب على الحبال، فـهي مع “الرباعية” وضدها في آنٍ واحد، ومع الاستقرار شرط أن يكون بيدها مفتاحه، ومع السودان بشرط ألا ينهض مستقلًا عن وصايتها التاريخية.

البيان الأخير ليس سوى مرآة تعكس حالة الانقسام داخل المؤسسة العسكرية التي أصبحت رهينة بالكامل في يد جماعات الإسلام السياسي، بعد أن أعادت الحركة الإسلامية بسط نفوذها داخل الجيش وأجهزته الأمنية.

إنّ من أشعل هذه الحرب — جماعة الإخوان المسلمين — لا يمكن أن يكون جزءًا من حلّها، وهي اليوم توظف البرهان كأداةٍ لعرقلة أي مسار تفاوضي من شأنه أن يُنهي الحرب، لأن استمرار الحرب هو الضمانة الوحيدة لبقاء نفوذها واحتفاظها بمواقعها داخل السلطة.

لقد أثبتت الوقائع الماثلة أن لا فرق بين الجيش والمؤتمر الوطني المحلول، فهما وجهان لعملةٍ واحدة، يتبادلان الأدوار تحت شعارات وطنية زائفة، بينما الحقيقة أن كليهما يجرّ البلاد نحو التمزق والانهيار.

وما يُسمى بـ “المجلس السيادي” في بورتسودان لا يمثل الدولة، بل يمثل نخبة من فلول النظام البائد الذين تسللوا إلى مؤسسات الجيش وأعادوا تدوير أنفسهم في ثوبٍ جديد، بينما جوهرهم هو ذاته الذي ثار عليه الشعب في ديسمبر المجيدة.

من المؤسف أن البرهان اختار أن يكون أداةً في مشروع إقليمي ودولي متشابك، بدل أن يكون قائداً لمسار وطني حقيقي.

فهو يتحرك بأوامر تأتيه من وراء الحدود، من عواصم ترى في السودان ساحة نفوذ، لا وطناً ذا سيادة.

ولذلك، كل محاولة للتفاوض أو للسلام تمر عبره ستؤول إلى الفشل، لأنها ببساطة تمر عبر من لا يملك القرار، بل ينفذ ما يُملى عليه.

إنّ موقف المجلس السيادي من نفي التفاوض لا يُقرأ إلا في إطار رفض أي مسار سلام لا يخدم مصالح الحركة الإسلامية، وهو ما يعيد إنتاج ذات الأزمة التي فجّرت الحرب: عقلية الاحتكار والاستعلاء والوصاية.

فمن يشعل النار لا يمكن أن يكون رجل الإطفاء، ومن يحتكر الوطن في جماعته لا يستطيع أن يبني دولة لكل مواطنيها.

اليوم، يتضح أن السودان يقف على مفترق طرقٍ خطير، فإما أن ينتصر مشروع الدولة المدنية الديمقراطية التي تتأسس على العدالة والمواطنة، أو يواصل الإسلاميون جرّ الجيش معهم إلى قاع الحرب.

ولأن الحقيقة مهما تأخرت، فإنها تظل تخرج من بين الركام، تؤكد أن السلام لن يصنعه من تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء، بل من امتلكوا شجاعة مواجهة الذات والاعتراف بالآخر.

لقد قال التاريخ كلمته مرارًا:

من يحكم بالنار لا يُطفئها، ومن يراهن على الحرب يخسر الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!