رأي

قراءة في ميثاق ودستور حكومة الوحدة والسلام :الفكرة والتكوين

د. عبدالمجيد عبد الرحمن ابوماجدة 

 

صهيل الخيل : د. عبدالمجيد عبد الرحمن ابوماجدة 

                   “1”

قبل اندلاع الحرب بسنة وبضعة اشهر تقريباً كنتُ في تغطية من مركز الحدث للاعلام لزيارة قائد قوات الدعم السريع ونائب رئيس مجلس السيادة الفريق اول محمد حمدان دقلو الى الجنينة حاضرة ولاية غرب دارفور والتي مكث فيها القائد اكثر من شهرين .

هذه الزيارة الرسمية للقائد حميدتي عالج فيها الكثير من القضايا والتحديات التي ارقت مجتمعات ولاية غرب دارفور .

معلوم بانّ مجتمعات ولاية غرب دارفور اغلبها كان بينها ما صنع الحداد .

نجد الفريق اول محمد حمدان قد نجح نجاحاً باهراً في حلحلة المشاكل بين المكونات .

يبدو انّ القائد الفريق اول محمد حمدان دقلو قد ملّ المكوث في الخرطوم عاصمة “اللاءات الثلاثة”

وسئم من اكاذيب الساسة والعسكريين معاً واتخذ قراره بانْ يبدأ اصلاح المجتمعات من الولايات البعيدة فكانت الجنينة حاضرة ولاية غرب دارفور هي المحطة الاولى .

كانت الخرطوم في تلك الايام تعج بالحراك السياسي والدبلوماسي المحموم بين قادة الجيش ومجموعة قوى الحرية والتغيير “قحت” فيما يتعلق بالاتفاق الاطاري وورقة الترتيبات الامنية التي في آخر المطاف اصبحت هي القشة التي “قصمت ظهر البعير” واشعلت حرب الخامس عشر من ابريل 2023م .

إنّ هذا الحراك السياسي الكبير كان ورائه الرجل الالماني الدبلوماسي المكار “فولكر بيتريس” الذي قاد حواراً هادئاً حتى اقنع الاطراف بالتوقيع على الاتفاق الإطاري”١” .

نجد أنّ فولكر بعد ما وجد الضمانات من الجيش ومجلس السيادة آنذاك وقوى الحرية والتغيير “قحت” ركب طيارته ميمماً وجه شطر الجنية حاضرة ولاية غرب دارفور للالتقاء بالقائد محمد حمدان ويبلغه بما تم الاتفاق عليه في الخرطوم للترتيب على التوقيع النهائي على الوثيقة بعد قدوم القائد حميدتي الي الخرطوم .

يبدو أنّ القائد محمد حمدان ليس متحمساً لما تم في الخرطوم وهو في قرارته نفسه و قناعته الشخصية بانّ هذا الاتفاق قد لا يمضي طويلاً وينتهي كسابقاته من اتفاقات .

عقب التوقيع على الاتفاق الاطاري جاءت ورقة الترتيبات الامنية وكل طرف من الجيش والاجهزة الامنية الاخرى قدموا رؤيتهم حول الترتيبات الامنية .

ففي اليوم التالي قدم قادة الدعم السريع ورقتهم ورؤيتهم للترتيبات الامنية وكيف ستكون وقبل ان ينتهي مقدم الورقة قام قادة الجيش والشرطة والمخابرات العسكرية وجهاز الامن الوطني بالانسحاب من قاعة المؤتمر وسط ذهول كل الحضور من هذا التصرف .

فمنذ ذلك التاريخ اصبح الامر جلياً بانّ قادة الجيش والاجهزة الامنية الاخرى لا يريدون ان يستقر السودان ولا يريدون تحولاً سياسياً من اجل الوطن والمواطن .

اندلعت الحرب وحمى وطيسها وتفرقت مؤسسات الدولة ايدي “سبأ” وإستمرت الحرب لاكثر من ثلاثة سنوات وما زالت الحرب مدورة رحاها شملت كل ارجاء السودان .

                  “2”

في ظل هذه الحرب وما مرّ به السودان من ظروف إستثنائية فقد وقعت الأطراف المكونة لـتحالف السودان التأسيسي على دستور انتقالي ألغت بموجبه “الوثيقة الدستورية لسنة 2019م” .

كما نصّ الدستور الانتقالي على أن يكون السودان دولة علمانية ديمقراطية لا مركزية وتأسيس الدولة على أساس “الوحدة الطوعية وإحترام التنوع والتعدد والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات” وتأسيس جيش جديد مهني أساسه قوات الدعم السريع والجيش الشعبي لتحرير السودان وحركات الكفاح المسلح الموقعة على الدستور وحلّ ميليشيات حزب المؤتمر الوطني ومرجعيته الدينية “الحركة الإسلامية” “٢” .

ففي يوم الثاني والعشرين من شهر فبراير 2025م وقعت قوى سياسية ومدنية وحركات الكفاح المسلح ومنظمات المجتمع المدني إعلاناً سياسياً بالعاصمة الكينية نيروبي نص على تشكيل تحالف سياسي تنضوي تحته كل المكونات الموقعة عليه .

يتم بموجبه تشكيل حكومة سلام مناوئة للحكومة المدعومة من الجيش السوداني الذي إتخذ من بورتسودان عاصمة مؤقتة له .

إنّ تشكيل هذا التحالف قد اخذ وقتاً طويلاً من المشاورات استغرقت عدة اشهر .

إنّ الأطراف التي وقعت على “مشروع الدستور الانتقالي لجمهورية السودان لسنة 2025م” تتكون من “24” كياناً سياسياً ومدنياً وحركات مسلحةومنظمات مجتمع مدني أبرزها “قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان شمال” إضافة لحزب الأمة القومي والحزب الاتحادي الديمقراطي وقوى الجبهة الثورية بجانب شخصيات وطنية ومدنية بينها ثلاثة اعضاء سابقين كانوا بمجلس السيادة السابق .

إنّ الدستور الجديد الذي وقعه “المتحالفون” نصّ على إلغاء “الوثيقة الدستورية الانتقالية لسنة 2019م” وكل القوانين والقرارات والمراسيم الصادرة بموجبها .

كما نصّ كذلك بأنّ السودان هو “دولة علمانية ديمقراطية لا مركزية تقوم على فصل الدين عن الدولة وفصل الهويات الثقافية والعرقية والجهوية عن الدولة” .

كما أكد بانّ “المواطنة المتساوية هي أساساً للحقوق والواجبات”

إنّ الجميع يعلم يقيناً بانّ الوثيقة الدستورية لعام 2019م هي الدستور الحاكم في السودان بعد إسقاط نظام الرئيس السابق المخلوع عمر البشير ووقعها الجيش من جهة وتحالف قوى إعلان الحرية والتغيير الذي قاد الثورة من جهة أخرى .

لكن الجيش بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان انقلب على الحكومة المدنية في الخامس والعشرين من أكتوبر 2021م وعدل الوثيقة الدستورية بحذف بعضاً من موادها الاساسية التي لا تتماشى معه “٣” .

إنّ الدستور الانتقالي الجديد قد حدد فترة إنتقالية تتكون من مرحلتين :

1- المرحلة الاولى ما قبل الفترة الانتقالية التأسيسية وتبدأ من لحظة سريان الدستور وتستمر حتى إعلان إنهاء الحروب .

2-المرحلة الثانية وهي الفترة الانتقالية التأسيسية وتبدأ فور إعلان وقف الحرب رسمياً وتمتد لمدة “10” سنوات .

                  :3″

إنّ الدستور الانتقالي الجديد نصّ على مهام الحكومة المنشأة بموجبه وأطلق عليها حكومة السلام الانتقالية وتتمثل مهامها الاساسية في إيقاف وإنهاء الحروب وإحلال السلام العادل المستدام وتهيئة المناخ لإطلاق عملية سياسية شاملة لتحقيق الأمن والاستقرار والعدالة والتنمية وتعزيز الوحدة الوطنية الطوعية والتعايش السلمي ومحاربة خطاب الكراهية ومواجهة الكارثة الإنسانية وإعادة تأسيس مؤسسات الدولة وإكمال مهام ثورة ديسمبر 2018م .

إنّ الدستور الانتقالي الجديد حدد ثلاثة مستويات للحكم هي :

1- المستوى الاتحادي .

2- المستوى الإقليمي .

3- الحكم المحلي .

كما منح مستويات الحكم المختلفة إختصاصات وسلطات حصرية ومشتركة ومواد يحددها القانون او الدستور وترك لكل إقليم اختيار الاسم المناسب لمستوى الحكم المحلي .

أمّا إدارياً فقد قسم الدستور السودانَ إلى ثمانية اقاليم هي : “الخرطوم والاقليم الشرقي والاقليم الشمالي واقليم ودارفور والاقليم الأوسط واقليم كردفان واقليم جنوب كردفان “جبال النوبة” وإقليم الفونج الجديد”

كما أقر الدستور “دساتير” إقليمية تراعي خصوصية كل إقليم دون المساس بطبيعة الدولة”٤” .

كما حدد هياكل السلطة في الهيئة التشريعية التأسيسية والمجلس الرئاسي ومجلس الوزراء .

على أن تتكون الهيئة التشريعية من مجلس النواب المكون من “177” عضواً ومجلس الأقاليم المكون من “24” عضواً بمعدل ثلاثة نواب لكل إقليم مع مراعاة التمثيل العادل لمكونات الشعوب السودانيةوبنسبة تمثيل لا تقل عن “40” في المائة بالنسبة للمرأة .

إنّ الدستور أقرٌ بأن يتكون المجلس الرئاسي الممثل للسلطة السيادية من خمسة عشرة عضواً يختارهم التحالف السوداني من بينهم حكام الأقاليم بحكم مناصبهم وتتمثل سلطة المجلس في تعيين وإقالة رئيس الوزراء واعتماد الوزراء الذين لا يتجاوز عددهم “16” وزيراً وتعيين المجلس العدلي واعتماد رئيس القضاء ورئيس وأعضاء المحكمة الدستورية والنائب العام ومساعديه والمراجع العام وتعيين واعتماد السفراء وإعلان حالة الطوارئ بتوصية من مجلس الوزراء وإعلان الحرب بناءً على قرار من مجلس الوزراء بعد مصادقته من الهيئة التشريعية”٥” .

إنّ الدستور قد ألزم حكومة السلام الانتقالية بالشروع في الخطوات الضرورية لتأسيس جيش وطني جديد موحد ومهني وقومي بعقيدة عسكرية جديدة ويعكس في تكوينه التنوع والتعدد للسودانيين وتتمثل فيه أقاليم السودان كافة على أساس التوزيع السكاني ويخضع للرقابة والسيطرة المدنية وأن يكون مستقلاً عن أي ولاء أيديولوجي أو انتماء سياسي أو حزبي أو جهوي أو قَبَلي وقصر دوره على حماية البلاد وأراضيها وسيادتها وشعوبها والنظام الدستوري الديمقراطي العلماني .

                    “4”

إنّ دستور التحالف الجديد الذي وقع عليه “24” كياناً وحزباً وشخصيات عامة نصّ على تأسيس قوات الشرطة تعكس التوزيع العادل والمتوازن لأقاليم البلاد وتلتزم الحياد والاستقلالية ولا تتبع أي ولاء ايديولوجي أو حزبي أو جهوي أو قَبَلي وأن يقتصر مهامها على حماية المواطنين وضمان احترام حقوق الإنسان وحماية سيادة حكم القانون وفقاً لمعايير النزاهة والشفافية والعدالة .

كما نصّ أيضاً على تأسيس جهاز أمن ومخابرات مهني مستقل يقتصر دوره على جمع وتحليل المعلومات والبيانات وتقديمها للجهات المختصة بما يصون النظام الديمقراطي ويضمن حقوق الإنسان .

إنّ الدستور الانتقالي لحكومة الوحدة والسلام نصّ على أن تكون قوات “الدعم السريع والجيش الشعبي وجيش الحركة الشعبية لتحرير السودان وحركات الكفاح الُمسلَّح” الموقعة على “ميثاق السودان التأسيسي” بانْ تكون هي “النواة” للجيش الوطني الجديدة وحلّ الميليشيات التابعة لـحزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية والميليشيات الأخرى اعتباراً من تاريخ إجازة وسريان الدستور”٦” .

إنّ المجموعات الموقعة على الدستور الانتقالي بالعاصمة الكينية “نيروبي” قد وضعت الميثاق و الاطار القانوني والدستوري لحكومة الوحد والسلام .

إنّ هذه الخطوة التي قامت بها الاجسام والاحزاب والمكونات الاخرى وتوقيعها للميثاق والدستور الإنتقالي قد لامست وجدان وافئدة الكثيرين من السودانيين خاصة اهل الهامش السوداني العريض .

يقول الشاعر الراحل محمد مفتاح الفيتوري :

اصبح الصبح ولا السجن ولا السجان باقي

واذا الفجر جناحان يرفان عليك

واذا الحزن الذي كحل هاتيك المآقي

والذي شد وثاقاً لوثاق

والذي بعثرنا في كل وادي

فرحة نابعة من كل قلب يا بلادي

أصبح الصبح وها نحن مع النور التقينا

التقى جيل البطولات بجيل التضحيات

التقى كل شهيد قهر الظلم ومات

بشهيد لم يزل يبذر في الأرض بذور الذكريات

أبداً ما هنت يا سوداننا يوماُ علينا

بالذي اصبح شمسا في يدينا

وغناءاً عاطراً تعدو به الريح

فتختال الهوينى

من كل قلب يا بلادي

فرحة نابعة من كل قلب يابلادي .

*المصادر والمراجع*

1- محمد احمد الزين ، رئيس الادارة المدنية السابق ولاية جنوب دارفور ، رئيس الوفد الاهلي للمؤتمر تصريح 22 فبراير 2025م .

2- أحمد يونس ، صحيفة الشرق الاوسط 5مارس 2025م كمبالا .

3- فولكر بيرتيس ، مبعوث الامم المتحدة الاسبق الي السودان .

4- تسابيح المبارك ، قناة الحدث تغطية المؤتمر .

5- الدستور الانتقالي لحكومة الوحدة والسلام .

6- الوثيقة الدستورية 2019م .

Abdumajeednetaigazxc1133@gmail.com

كاتب وباحث سوداني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!