رأي

رفعنا العلم ولم نمتلك الدولة: السودان بين حلم الاستقلال وفخ الاستغلال

عماد جدو

 

عماد ابكر جدو 2/1/2026م

 

مع حلول عام 2026م، يكون السودان قد أكمل سبعين عاماً على لحظة رفع العلم في سارية القصر، تلك اللحظة التي ظنّ السودانيون أنها إيذان بميلاد الدولة الوطنية المستقلة. غير أن حصيلة العقود السبعة الماضية تطرح سؤالاً مؤلماً ومُلِحّاً: هل امتلك السودان دولته فعلاً، أم اكتفى برفع علمها بينما ظلت السلطة والسيادة عرضة للاستغلال الخارجي والتلاعب الداخلي؟

منذ فجر الاستقلال، انقسمت القوى السياسية السودانية بين مشروعين متناقضين: مشروع الوحدة تحت التاج المصري، ومشروع السودان للسودانيين. ولم يكن هذا الانقسام وليد لحظة تفاوض أو ظرف سياسي عابر، بل امتداداً لصراع تاريخي أعمق يعود إلى تجربة الدولة الوطنية الأولى في السودان الحديث: دولة المهدية.

لقد مثّلت المهدية أول محاولة سودانية خالصة لبناء دولة مستقلة الإرادة، بعد أن نجحت في تحرير البلاد من الحكم التركي–المصري. وخلال خمسة عشر عاماً، سعت هذه الدولة إلى تفكيك بنى اقتصادية واجتماعية ارتبطت بالاستعمار، فأوقفت تجارة الرقيق، وقطعت شبكات تهريب الموارد مثل العاج وريش النعام، وأغلقت بيوت الخمور والدعارة التي كانت تمثل نشاطاً اقتصادياً لبعض الفئات النافذة. هذه الإجراءات لم تكن مجرد قرارات أخلاقية، بل جزءاً من مشروع دولة يسعى لإعادة تنظيم المجتمع على أسس وطنية.

غير أن هذا المشروع اصطدم بمقاومة داخلية شرسة من مكونات اجتماعية تضررت مصالحها، فتلاقت موضوعياً مع الأطماع الاستعمارية التي كانت تحاصر السودان من كل الجهات: بريطانيا من الشمال، فرنسا من الغرب، وإيطاليا من الشرق. وبتضافر هذا الحصار الخارجي مع الخيانة الداخلية، سقطت الدولة المهدية بعد معركة كرري، واستشهد الخليفة عبد الله في أم دبيكرات، لتدخل البلاد طوراً جديداً من الهيمنة.

مع عودة الاستعمار الإنجليزي–المصري، أُعيد ترتيب المشهد الاجتماعي والسياسي بعناية. فقد اتبع المستعمر سياسة الإقصاء والتهميش تجاه المكونات التي أسهمت في بناء الحكم الوطني الأول، واستعاض عنها بالقوى التي تعطلت مصالحها في عهد المهدية. ولم يكتفِ بذلك، بل صُوّرت تلك المكونات الوطنية باعتبارها “خطراً محتملاً”، ما برّر استبعادها من معادلة الحكم والإدارة.

في هذا السياق، برز دور السيد عبد الرحمن المهدي، الذي نجح في منتصف القرن العشرين في فتح قنوات تواصل مع السلطة الاستعمارية، ونقل صوت المكونات المجتمعية الواسعة، مؤكداً أن التيار المنادي بالوحدة مع مصر لا يمتلك عمقاً اجتماعياً حقيقياً. هذا الإدراك يفسر إلى حد بعيد موقف الإدارات الأهلية التي تصدت لثورة 1924م، ورفعت «مذكرة كرام المواطنين»، رفضاً لمطلب تقرير مصير السودان تحت التاج المصري، باعتباره تعبيراً عن نخبة معزولة لا عن إرادة شعبية.

وعندما جاءت لحظة رفع العلم، تراجع التيار الوحدوي تكتيكياً أمام العاصفة، وتبنى البرلمان شعار السودان للسودانيين. غير أن هذا التحول لم يكن تعبيراً عن قناعة راسخة بقدر ما كان مناورة سياسية اعتمدت المراوغة وتقسيم الأدوار، وهو ما أبقى التناقضات كامنة داخل بنية الدولة الجديدة. فالدولة رُفِع علمها، لكن مشروعها الوطني ظل منقوصاً.

زاد المشهد تعقيداً بظهور قوى سياسية متعددة: الجبهة المعادية للاستعمار (الشيوعيون)، الحزب الجمهوري، تنظيمات ذات مطالب مناطقية كنهضة دارفور وتنظيم البجا، إضافة إلى الإخوان المسلمين وتيارات اليمين واليسار. وكثير من هذه التكوينات استلهم نماذجه الفكرية والتنظيمية من مصر، ما جعل سؤال الولاء والمرجعية السياسية حاضراً بقوة في معركة بناء الدولة.

والمفارقة اللافتة أن أبناء المكونات التي أسهمت في تأسيس الحكم الوطني الأول كانوا أقل اندفاعاً في الولاء السياسي لمصر، بينما بدت المكونات التي عارضت الدولة المهدية أكثر جرأة في تقديم المصالح المصرية على المصلحة الوطنية السودانية، دون حرج. هذا الخلل البنيوي انعكس مباشرة على مرحلة ما بعد الاستقلال، فأنتج دولة بلا برنامج وطني جامع، ونظام حكم هشاً، تلاعبت به المؤسسة العسكرية وبعض النخب لإجهاض التجارب الديمقراطية.

لم تكن الانقلابات العسكرية في السودان حوادث معزولة، بل أدوات منظمة لقطع الطريق أمام الديمقراطية. وتحت شعارات متناقضة، يسارية تارة وإسلامية تارة أخرى، تكررت الانقلابات، بينما ظلت النتيجة واحدة. ولم تُخفِ مصر، تاريخياً، مباركتها لهذه الانقلابات، باعتبارها الضامن لمصالحها الاستراتيجية في السودان. وتكفي متابعة مسارات بعض الشخصيات التي انتقلت بين الأيديولوجيات وشاركت في أكثر من انقلاب لفهم عمق الأزمة البنيوية للدولة.

من هنا، فإن الحديث عن ميثاق حكومة تأسيس لا يُعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة تاريخية. فهو الامتداد الطبيعي لمعركة الاستقلال التي لم تُستكمل، ومحاولة جادة لقطع الطريق أمام الاستغلال الخارجي، واستعادة جوهر الاستقلال: دولة ذات سيادة، وإرادة وطنية مستقلة، ومشروع جامع يعبر عن تنوع السودان لا عن ارتهانه.

لقد رفع السودانيون علمهم قبل سبعين عاماً، لكن معركة امتلاك الدولة ما زالت مفتوحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!