رأي

الاعتراف الدولي يُنتزع: كيف تبني حكومة السلام الانتقالية شرعيتها الخارجية؟

نجوي بابو

 

نجوى بابو

في العلاقات الدولية لا توجد فراغات سياسية تدوم طويلاً، كما لا توجد شرعية خارجية تُمنح مجاناً أو تُكتسب عبر البيانات والخطابات وحدها. فالتاريخ الحديث يؤكد أن المجتمع الدولي لا يعترف بالحكومات لأنها تطلب الاعتراف، بل لأنه يجد نفسه مضطراً للتعامل معها باعتبارها واقعاً سياسياً وإدارياً وقانونياً قادراً على إدارة الدولة وحماية المواطنين والوفاء بالتزاماته الداخلية والخارجية.

ومن هذا المنطلق، فإن التحدي الحقيقي أمام حكومة السلام والوحدة الانتقالية في السودان لا يكمن في البحث عن اعتراف دولي سريع أو خوض معارك دبلوماسية شكلية، وإنما في بناء الأسس الموضوعية التي تجعل التعامل معها خياراً منطقياً ومصلحة مشتركة للمجتمعين الإقليمي والدولي. فالاعتراف في جوهره ليس قراراً سياسياً معزولاً، بل نتيجة طبيعية لمسار متكامل من بناء المؤسسات وترسيخ الاستقرار وإثبات الجدارة بالحكم.

لقد أثبتت تجارب عديدة حول العالم أن الحكومات التي نجحت في ترسيخ وجودها لم تبدأ رحلتها من بوابات الأمم المتحدة أو العواصم الكبرى، وإنما من قدرتها على إدارة شؤون مواطنيها وتوفير الحد الأدنى من الأمن والخدمات وسيادة القانون. فالدول لا تتعامل مع الشعارات، بل مع الوقائع. وكلما نجحت أي سلطة في إثبات قدرتها على أداء وظائف الدولة الأساسية، ازدادت فرص قبولها والتعامل معها على المستويات المختلفة.

وفي الحالة السودانية، تبدو هذه الحقيقة أكثر أهمية من أي وقت مضى. فسنوات الحرب والانقسام أضعفت مؤسسات الدولة وأفقدت قطاعات واسعة من المواطنين الثقة في النخب السياسية التقليدية، ما يجعل بناء الشرعية الداخلية المدخل الحقيقي لأي شرعية خارجية محتملة. فالعالم ينظر أولاً إلى مدى قدرة الحكومة على تحقيق الاستقرار وحماية السكان قبل أن ينظر إلى طبيعة خطابها السياسي أو تحالفاتها الخارجية.

وتأتي حماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني في مقدمة المعايير التي تحدد نظرة المجتمع الدولي إلى أي سلطة انتقالية. فكل خطوة تتخذها الحكومة لمنع الانتهاكات، ومحاسبة المتورطين فيها، وضمان وصول المساعدات الإنسانية للمحتاجين دون تمييز أو عوائق، تمثل استثماراً مباشراً في رصيدها السياسي والأخلاقي. وفي المقابل، فإن أي إخفاق في هذا الملف ينعكس سلباً على فرص بناء الثقة والتعاون مع الشركاء الدوليين.

كما أن بناء مؤسسات مدنية مهنية وفعالة يظل أحد أكثر المؤشرات تأثيراً في تشكيل صورة الدولة الجديدة. فالمجتمع الدولي لا يبحث عن سلطة مؤقتة تدير الأزمة، بل عن مؤسسات قادرة على إدارة الدولة واستمرارها. ولذلك فإن تطوير الخدمة المدنية، وتعزيز استقلال القضاء، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، وإخضاع المال العام للرقابة، ليست مجرد إصلاحات داخلية، بل رسائل سياسية موجهة إلى الداخل والخارج على حد سواء بأن السودان يتجه نحو نموذج حكم مختلف وأكثر استقراراً.

ولا يمكن الحديث عن شرعية مستدامة دون توسيع قاعدة المشاركة الوطنية. فكلما نجحت مؤسسات الحكم في استيعاب التنوع السوداني وإشراك القوى السياسية والمدنية والمجتمعية والنساء والشباب في صناعة القرار، ازدادت قدرتها على بناء توافق وطني واسع يحد من الاستقطاب ويعزز الاستقرار. فالشرعية التي تستند إلى المشاركة أقدر على الصمود من الشرعية التي تستند إلى موازين القوة وحدها.

وفي الجانب السياسي، يحتاج السودان إلى رؤية انتقالية واضحة المعالم تتجاوز إدارة الأزمة اليومية نحو بناء مستقبل مستقر. إن وجود خارطة طريق محددة الأهداف والمراحل، تتضمن ترتيبات دستورية متوافقاً عليها، وبرنامجاً للإصلاح المؤسسي، ومساراً سياسياً شاملاً يقود إلى حكم ديمقراطي مستدام، يمنح المواطنين والشركاء الدوليين على السواء ثقة أكبر في أن المرحلة الانتقالية ليست محطة مفتوحة بلا نهاية، وإنما جسر نحو دولة مستقرة وقابلة للحياة.

أما على المستوى الخارجي، فإن الدبلوماسية الفاعلة أصبحت ضرورة استراتيجية وليست ترفاً سياسياً. فالعالم يتعامل بإيجابية أكبر مع الحكومات التي تنفتح على الحوار وتقدم نفسها كشريك مسؤول في معالجة التحديات الإقليمية والإنسانية والتنموية. ومن هنا تبرز أهمية التواصل المنتظم مع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والإيغاد وجامعة الدول العربية والشركاء الدوليين، وتقديم رواية واضحة وموثقة حول تطورات الأوضاع في البلاد وخطط الحكومة وأولوياتها.

كذلك فإن الأداء الاقتصادي والإداري يشكل عاملاً حاسماً في بناء الثقة الدولية. فالحكومات التي تنجح في مكافحة الفساد، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتوفير بيئة قانونية مستقرة للأنشطة الاقتصادية، ترسل إشارات إيجابية للمؤسسات المالية والتنموية والدول المانحة بأن لديها الإرادة والقدرة على إدارة الدعم والتعاون الدولي بصورة مسؤولة وفعالة.

وفي خضم كل ذلك، يبقى السلام هو العامل الأكثر تأثيراً في تشكيل صورة أي سلطة انتقالية. فالحكومة التي تبرهن على التزامها الجاد بإنهاء النزاع، والانفتاح على الحلول السياسية، ودعم المبادرات الرامية إلى تحقيق تسوية وطنية شاملة، تكتسب تدريجياً مكانة مختلفة في نظر المجتمع الدولي. ذلك أن العالم، رغم تناقضاته ومصالحه المتباينة، يظل أكثر استعداداً للتعامل مع مشروع يسعى إلى الاستقرار من مشروع يعيش على استمرار الصراع.

إن الاعتراف الدولي ليس وثيقة تمنحها دولة أو منظمة في لحظة سياسية عابرة، بل حصيلة تراكمية لنجاحات عملية في الحكم والإدارة وبناء المؤسسات واحترام القانون وتعزيز السلام. ولهذا فإن الطريق الأقصر نحو الاعتراف لا يمر عبر المطالبة به، بل عبر بناء نموذج حكم يفرض نفسه على الواقع ويجعل التعامل معه ضرورة سياسية وأخلاقية وقانونية.

وحين تنجح حكومة السلام والوحدة الانتقالية في ترسيخ هذه الأسس، فإن الاعتراف الدولي لن يكون معركة تخوضها، بل نتيجة طبيعية لمسار وطني ناجح يضع السودان على طريق الاستقرار والدولة الحديثة ويعيده فاعلاً محترماً في محيطه الإقليمي والدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!