رأي

17 أغسطس من جديد: إعادة تدوير السلطة تحت غطاء الإصلاح

عادل فاروق

ما جرى من إحالة عدد من الجنرالات المحسوبين على الحركة الإسلامية إلى المعاش، بالتزامن مع إخضاع الحركات المسلحة والمليشيات المشاركة في الحرب لقانون القوات المسلحة، ليس خطوة نحو تفكيك السلطة، بل مناورة مزدوجة لإعادة تأهيلها وتوسيع قبضتها.

فمن ناحية، هذه الخطوات لا يمكن فصلها عن اللقاء الذي جمع البرهان سرًا بمبعوث الإدارة الأمريكية مسعد بولس في زيوريخ قبل يومين فقط.
ومن ناحية أخرى لم يبدِ البرهان أي مراجعة لمشروع الحرب، ولم يحاسب المتورطين في جرائمها، ولم يمس البنية الاقتصادية–الأمنية التي تدير الحرب، ولا شبكات التمكين داخل الجيش. كما لم يعلن أي إجراءات تؤدي إلى تفكيك فعلي لمنظومة الإنقاذ.

كل ما جرى لم يتجاوز إعادة ترتيب للوجوه، يقدّم البرهان كشريك تفاوضي أمام الولايات المتحدة. والأخيرة لا تبحث سوى عن “تنظيف رمزي” يبعد الوجوه الأكثر التصاقًا بالإسلاميين، دون أن تمس جوهر السلطة أو شبكاتها الاقتصادية–الأمنية، تمهيدًا لتسوية فوقية تعيد إدماج التيار المدني التسووي في شراكة جديدة.

أما إخضاع المليشيات لقانون الجيش، فهو ليس دمجًا لبناء مؤسسة قومية محترفة، بل تقنين لتبعيتها داخل جيش مركزي يحتكر العنف، ويعيد تدويرها كأذرع تابعة لا شركاء مستقلين. بهذا يُعاد إنتاج نموذج الإنقاذ: جيش مُحصّن قانونيًا، محكوم بذات الشبكات، يُمسك بزمام السلطة ويُدار عبر صفقات فوقية.

ومن المفارقات أن هذه الإجراءات صادفت يوم 17 أغسطس، ذكرى توقيع الوثيقة الدستورية المعيبة عام 2019، التي دشّنت أول تسوية فوقية بين اللجنة الأمنية وقوى التسوية. وكما مهّدت تلك الوثيقة الطريق لانقلاب 25 أكتوبر ثم لحرب 15 أبريل، فإن خطوة البرهان اليوم ليست سوى إعادة إنتاج للمنطق ذاته: هندسة إصلاحات شكلية تحفظ جوهر السلطة العسكرية وتفتح الطريق لشراكة جديدة مع بعض المدنيين برعاية أمريكية

إن ما يُقدَّم كإصلاح هو في جوهره تثبيت، وما يُسوَّق كإبعاد للإسلاميين ليس سوى إعادة تموضع، بلا قطيعة سياسية أو مؤسسية معهم، وبلا علاقة بمطلب وقف الحرب أو تلبية احتياجات الجماهير.

لهذا، فإن واجب قوى الثورة ألا تنخدع بهذه المناورة، بل ترفضها بوضوح باعتبارها مقدمة لتسوية فوقية جديدة. والبديل الوحيد الحقيقي هو مشروع السلطة المدنية الثورية الذي يربط وقف الحرب بتفكيك منظومة الإنقاذ جذريًا، وبناء سلطة منبثقة من الجماهير، لا من صفقات الجنرالات ومكاتب السفراء.

#سلطة_الشعب_لإنهاء_الحرب
#العسكر_للثكنات_والجنجويد_ينحل

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!