رأي

الثورة لا تُهزم بأعدائها… بل بفساد حراسها

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

العدالة لا تعرف الولاءات، والثورة لا تعترف بأي حصانة خارج القانون 

ليس أخطر على مشاريع التغيير أن تواجه خصوماً يعلنون عداءهم جهاراً، فالأعداء المعلنون يمكن التعرف إليهم والاستعداد لمواجهتهم. الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتحول بعض المنتسبين إلى مشروع التغيير إلى أدوات لتقويضه من الداخل، وهم يرفعون شعاراته، ويتحدثون بلغته، ويقدمون أنفسهم باعتبارهم أكثر الناس غيرة عليه. تلك هي اللحظة التي تبدأ فيها الثورات بفقدان بوصلتها، لأن الانحراف الداخلي كان، عبر التاريخ، السبب الأكثر حضوراً في سقوط المشاريع الكبرى، وليس قوة الخصوم أو كثرة المؤامرات.

لقد اعتاد الناس النظر إلى التغيير باعتباره انتقالاً سياسياً أو إعادة توزيع للسلطة، بينما الحقيقة أن التغيير أعمق من ذلك بكثير. إنه عملية حضارية شاقة تبدأ من تحرير العقل قبل إعادة تشكيل المؤسسات، ومن مراجعة الذات قبل مساءلة الآخرين، ومن امتلاك الشجاعة الأخلاقية للتخلي عن كل ما يعيق بناء المستقبل. فالتغيير ليس قراراً يصدر، ولا شعاراً يرفع، ولا احتفالاً سياسياً، وإنما مسار طويل من المراجعة المستمرة، والتقويم الدائم، والقدرة على تصحيح الأخطاء قبل أن تتحول إلى منظومة حكم.

ولهذا فإن أول شروط النجاح هو التجرد الكامل؛ التجرد من الأهواء، ومن الولاءات الضيقة، ومن العصبيات القبلية، ومن المصالح الشخصية، ومن الإحساس الزائف بأن الانتماء إلى الثورة يمنح صاحبه حصانة ضد المساءلة. فلا توجد ثورة تستطيع أن تنتصر وهي تميز بين أبنائها في تطبيق القانون، أو تمنح بعضهم حقاً غير مكتوب في الإفلات من المحاسبة.

إن التجرد يعني قبل كل شيء التخلي عن أنماط التفكير القديمة التي أنتجت الأزمة، والنظر إلى الواقع بعين ناقدة لا بعين المدافع، والاستعداد النفسي للاعتراف بالخطأ وتصحيحه. كما يعني التعلم من تجارب الشعوب التي سبقتنا في مسارات التحول، لأن الأمم لا تبدأ من الصفر، وإنما تبني نجاحها على المعرفة، والتجريب، والتقييم، والاستفادة من الدروس.

ولهذا فإن أي مشروع تغيير لا يقوم على فهم عميق لطبيعة الأزمة، ولا يستفيد من تجارب الآخرين، محكوم عليه بأن يعيد إنتاج الفشل نفسه ولكن بوجوه جديدة وشعارات مختلفة.

إن نجاح أي مؤسسة في إحداث تغيير حقيقي يصبح نموذجاً تنتقل عدواه إلى بقية المؤسسات، لكن ذلك لا يتحقق إلا إذا أصبح الإصلاح ثقافة مؤسسية لا مبادرة فردية، وإذا تحول تقييم الأداء إلى قاعدة ثابتة لا إلى إجراء استثنائي يرتبط بالأزمات.

ومشروع التأسيس، بما يحمله من رؤية لمعالجة جذور الأزمة السودانية، ليس استثناءً من هذه القاعدة. بل إن حجم الرهان عليه يجعل مسؤوليته أكبر، ويجعل الحاجة إلى تحصينه أشد إلحاحاً. فكل مشروع تغيير يجذب بطبيعته المؤمنين بالفكرة، كما يجذب الانتهازيين والنفعيين والباحثين عن النفوذ والمكاسب. وهؤلاء لا يدخلون المشروع وهم يعلنون نواياهم، بل يتدثرون بثياب الثورة، ويتحدثون باسمها، ويقدمون أنفسهم باعتبارهم أوصياء عليها، بينما يعملون بصمت على تحويلها إلى وسيلة لخدمة مصالحهم الخاصة.

ولذلك فإن العدو المتصل أخطر بما لا يقاس من العدو المنفصل. فالخصم الخارجي واضح في موقفه، أما الخصم الداخلي فيتحرك من داخل المؤسسات، ويستثمر الثقة، ويعرف مواطن القوة والضعف، ويستغل العواطف والانتماءات لحماية نفسه من أي مساءلة.

وللأسف، فإن هذا النوع من الاختراق غالباً ما يجد من يدافع عنه باسم القبيلة، أو العشيرة، أو الشلة، أو العلاقات الشخصية، حتى يصبح الانتماء الاجتماعي أقوى من الانتماء إلى قيم الثورة نفسها. وهنا تبدأ أخطر مراحل الانحراف، عندما تتحول الثورة من مشروع لبناء دولة المؤسسات إلى مظلة لحماية الأشخاص.

كيف يمكن لمتهم بالإضرار بالاقتصاد الوطني أو استغلال موقعه لخدمة مصالحه الخاصة أن يقدم باعتباره أحد رموز التغيير؟ وكيف يمكن لمن يشتبه في إساءته للمال العام أو النفوذ أن يتحول إلى شخصية فوق النقد والمساءلة لمجرد قربه من دوائر القرار؟ إن هذه الأسئلة ليست استهدافاً لأشخاص، وإنما دفاع عن فكرة الثورة ذاتها، لأن المشروع الذي يتسامح مع الفساد يفقد تدريجياً مبررات وجوده الأخلاقية والسياسية.

لقد أثبتت التجارب أن الفساد لا يبدأ من صغار الموظفين، وإنما يبدأ غالباً من أصحاب النفوذ والقرار، خاصة عندما تغيب الأجهزة الرقابية، أو تتحول إلى مؤسسات عاجزة عن أداء دورها، أو عندما تُعطل الرقابة الشعبية بحجة الحفاظ على وحدة الصف.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للثائر. فالثائر الحقيقي لا يكتفي بمراقبة الآخرين، وإنما يبدأ بمحاسبة نفسه أولاً، لأنه يدرك أن الثورة ليست امتيازاً، بل مسؤولية أخلاقية مضاعفة. وكلما ارتفع الموقع، ازدادت المسؤولية، واشتدت الحاجة إلى الشفافية والمساءلة.

ولهذا فإن العدالة لا يمكن أن تكون انتقائية، ولا يجوز أن تخضع لحسابات الولاء والانتماء. فمن غير المقبول أن يصبح ما هو مباح لفئة محرماً على أخرى، أو أن تطبق القواعد على الضعفاء بينما يعفى منها أصحاب الحظوة. وقد لخّص التراث العربي هذا التناقض في قوله: “أحلالٌ على بلابله الدوح، وحرامٌ على الطير من كل جنس؟” وهو سؤال يفضح كل ازدواجية في تطبيق المعايير، لأن العدالة التي تُجزأ ليست عدالة، وإنما غطاء للظلم.

إن الضجيج الذي يثار كلما فُتح ملف للمساءلة يجب ألا يربك أصحاب مشروع التغيير، لأن الثورة التي ترتعد أمام النقد أو التحقيق أو كشف الفساد هي ثورة فقدت ثقتها بنفسها. أما المشروع الواثق من عدالة قضيته، فإنه ينظر إلى المحاسبة باعتبارها وسيلة لتطهير صفوفه، وتجديد شرعيته، وتعزيز ثقة الناس فيه.

ولذلك فإن المطلوب اليوم هو التحرر من التفكير الانكفائي الذي يجعل الدفاع عن الأشخاص مقدماً على الدفاع عن المبادئ، لأن المشاريع الوطنية لا تعيش بالأسماء، وإنما تعيش بالقيم التي قامت من أجلها.

لقد استطاع مشروع التأسيس أن يطرح رؤية جادة لمعالجة جذور الأزمة السودانية، وأن يفتح باباً لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة تقوم على الحرية والسلام والعدالة والمواطنة المتساوية. غير أن هذه الرؤية لن تبلغ غاياتها إذا تُركت أبواب المشروع مفتوحة أمام الاختراق، أو إذا أصبحت العاطفة بديلاً عن القانون، والانتماء بديلاً عن الكفاءة، والولاء بديلاً عن النزاهة.

إن حماية مشروع التغيير لا تكون بالصمت على الأخطاء، بل بكشفها، ولا تكون بتقديس القيادات، بل بإخضاعها للقانون، ولا تكون بإقصاء النقد، بل بتحويله إلى أداة للإصلاح والتصحيح.

فالثورات العظيمة لا يضمن بقاءها صدق الشعارات، وإنما صرامة المؤسسات، وعدالة القانون، ويقظة الضمير، واستمرار المراجعة. وعندما تصبح المساءلة قيمة لا مساومة عليها، والمحاسبة مبدأ لا يستثني أحداً، عندها فقط يكتسب مشروع التغيير مناعته الحقيقية، ويمضي بثبات نحو تحقيق تطلعات السودانيين في بناء دولة الحرية والسلام والعدالة، بعيداً عن الفساد، والاختراق، وقوى الردة التي لا تتوقف عن محاولة إجهاض كل مشروع وطني يولد من رحم التضحيات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!