رأي

“كُل يا كُمِّي قبل فُمِّي”.. عندما تتقدم المظاهر على القيم

جيلان شارف أجبر 

 

جيلان شارف أجبر 

من بين الحكم الخالدة التي تركها الشيخ فرح ود تكتوك، تظل عبارته الشهيرة “كُل يا كُمِّي قبل فُمِّي” من أكثر الأقوال حضورًا في الوجدان السوداني، لأنها لم تكن مجرد طرفة أو موقف عابر، بل كانت نقدًا اجتماعيًا عميقًا كشف خللًا في معايير الحكم على الناس، وهو خلل ما زال يتكرر بأشكال مختلفة حتى يومنا هذا.

وتروي الرواية الشعبية أن الشيخ مُنع من دخول وليمة بسبب مظهره البسيط، فلما عاد مرتديًا ثيابًا فاخرة، فُتحت له الأبواب واستُقبل بحفاوة، وقُدم إليه الطعام. وعندما جلس إلى المائدة، مدَّ كُمَّ ثوبه نحو الطعام وقال: “كُل يا كُمِّي قبل فُمِّي.” كانت رسالة بليغة تختصر حقيقة مؤلمة؛ فالتكريم لم يكن للإنسان، وإنما للثوب الذي يرتديه.

ورغم مرور الزمن، ما زالت هذه الحكمة تعكس واقعًا نعيشه. فما زال كثيرون يُقيَّمون بمناصبهم، وألقابهم، ومظاهرهم، أكثر مما يُقيَّمون بما يحملونه من علم أو نزاهة أو قدرة على خدمة الناس. وأصبح المظهر، في كثير من الأحيان، جواز مرور إلى الاحترام، بينما تتراجع الكفاءة إذا لم تسندها سلطة أو نفوذ أو وجاهة اجتماعية.

وفي الحياة العامة، لا يختلف المشهد كثيرًا. فكم من صاحب فكرة صادقة لم يجد من يسمعه لأنه لا يملك منصبًا أو سندًا، وكم من مسؤول حظي بالتقدير لمجرد أنه يشغل موقعًا مرموقًا، لا لما قدمه من إنجاز. وهنا تعود حكمة ود تكتوك لتطرح سؤالًا لا يزال ينتظر الإجابة: هل نكرم الإنسان لذاته، أم لما يحيط به من مظاهر؟

لكن الأخطر من ذلك أن هذه المعايير المختلة قد تتسلل إلى مؤسسات الدولة والمشروعات الوطنية. فعندما يصبح السؤال عند شغل المواقع القيادية: من أي قبيلة أنت؟ ومن يقف خلفك؟ وما درجة قرابتك بمن يملك قرار التعيين؟ فإننا لا نبني دولة جديدة، بل نعيد إنتاج الأزمة نفسها التي دفعت السودانيين إلى المطالبة بالتغيير.

إن السؤال الذي يجب أن يسبق كل تكليف هو: ماذا ستقدم لهذا الوطن؟ وما الذي ستضيفه إلى مشروع بناء الدولة؟ فالمناصب العامة ليست تشريفًا، وإنما أمانة ومسؤولية، ولا ينبغي أن تُمنح إلا على أساس الكفاءة، والنزاهة، والقدرة على الإنجاز.

ومن هذا المنطلق، فإن تحالف السودان التأسيسي، إذا كان يحمل مشروعًا لإقامة دولة العدالة والمساواة، فإن أول اختبار حقيقي لهذا المشروع هو أن يجعل الكفاءة وحدها معيارًا للاختيار، وأن يرفض إعادة إنتاج المحاصصة، أو المحسوبية، أو أي تمييز قائم على القبيلة أو الجهة أو الولاء الشخصي. فالمشروعات الوطنية لا تُهزم فقط بفعل خصومها، بل قد تتآكل من الداخل إذا تساهلت مع الممارسات التي قامت أصلًا لتجاوزها.

لقد دفع آلاف السودانيين، ولا سيما الشباب، أثمانًا باهظة من أجل حلم وطن يتساوى فيه الجميع أمام القانون، وتُفتح فيه أبواب الخدمة العامة لأصحاب الكفاءة، لا لأصحاب النفوذ. وكان الأمل أن تنتهي مرحلة الإقصاء والتمييز، وأن تقوم دولة المواطنة التي يكون فيها الانتماء للسودان فوق كل انتماء آخر.

إن السودان الذي نحلم به ليس وطنًا تُوزع فيه المناصب لإرضاء هذا المكون أو ذاك، وإنما وطن يجتمع فيه أبناء الشمال والشرق والغرب والوسط والجنوب على هوية وطنية جامعة، يكون معيارها المواطنة، وتكون العدالة فيها حقًا للجميع، لا امتيازًا لفئة دون أخرى.

وهذا المشروع لن ينجح إلا إذا وجد رجالًا ونساءً يحرسون مبادئه قبل أن يحرسوا مواقعهم، ويؤمنون بأن النقد والمراجعة والمساءلة ليست هدمًا للمشروع، بل وسائل لحمايته وتصحيح مساره. فالمراجعة الصادقة هي التي تمنع الانحراف، وتغلق أبواب الطامعين، وتحفظ ثقة الناس في مشروعهم الوطني.

ولو عاد الشيخ فرح ود تكتوك بيننا اليوم، فربما لم يكرر عبارته الشهيرة فحسب، بل لوجه إلينا سؤالًا أشد وقعًا: هل ما زلتم تكرمون الثوب، أم أصبحتم تكرمون الإنسان بما يقدمه لوطنه؟

ذلك هو السؤال الذي سيحدد ما إذا كنا نسير حقًا نحو السودان الذي حلم به أبناؤه؛ سودان العدالة، والديمقراطية، والمساواة، أم أننا نعيد إنتاج أخطاء الماضي بوجوه جديدة. فالأوطان لا تبنى بالمظاهر، ولا تحميها الألقاب، وإنما يبنيها الرجال والنساء الذين يجعلون خدمة الوطن شرفًا، والكفاءة معيارًا، والعدالة أساسًا لا يُساوَم عليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!