رأي

الإسلام السياسي.. حين يتحوّل الدين إلى معولٍ لهدم الدولة

ابوعبدالله الراشدي

في عالمٍ يزداد اضطراباً، تبرز ظاهرة الإسلام السياسي كواحدة من أخطر الأفكار التي تسلّلت إلى بنية الدول الحديثة، لا بوصفها مشروعاً إصلاحياً كما تعلن، بل باعتبارها — في جوهرها — عملية تفكيك بطيئة ومدروسة لمفهوم الدولة نفسها.
إنها ليست جماعات تتدين لله، بل جماعات تتديّن بالسلطة.

منذ اللحظة التي تتغلغل فيها هذه المشاريع في أي مجتمع، يبدأ التحول الكبير: يتراجع القانون أمام الولاء، وتذوب المؤسسات أمام التنظيم، وتتحول الدولة إلى غنيمة تتقاسمها حلقات مغلقة من المنتفعين.
يقول أبو عبدالله الراشدي: “إذا دخل الهوى أبواب الحكم، خرج العدل من نوافذه.”
وهذا بالضبط ما يحدث حين تصبح العقيدة أداة صراع سياسي.

هذه الجماعات تتقن اللعب بالشعارات: فالإصلاح يتحوّل إلى واجهة، والدعوة تتحول إلى منصة، والهوية الدينية تصبح سلاحاً ضد المخالف. وما إن تضع يدها على مفصلٍ من مفاصل الدولة حتى تبدأ الأورام الأيديولوجية في النمو—في التعليم، في القضاء، في الاقتصاد، وفي كل مؤسسة يُفترض أن تكون محايدة.
إنها عملية “استبدال صامت”: استبدال دولة المواطنة بدولة الولاء، واستبدال القانون بفقه التنظيم، واستبدال روح الدين بحسابات القوة.

وحين تعترض الشعوب، يقال لها إن الاعتراض فتنة، وإن النقد عداوة، وإن المعارضة حرب على الدين نفسه.
هكذا يصبح الإيمان—وهو أقدس ما يملكه الإنسان—هراوةً سياسية، تُرفع لا لتبني، بل لتسكت، لتخيف، ولتُحكم القبضة على المجال العام.

ولأن هذه المشاريع لا تعيش إلا في بيئة الصراع، فهي تُغذّيه بكل الوسائل الممكنة. تبدأ بالعداء للداخل، ثم تنقلب على الخارج، وتشتبك مع كل ما يعارض خطابها، سواء كان رأياً حراً أو مؤسسة مستقلة أو مبادرة سلام.
وتاريخ وجودها في أي بلد يشهد بأنها لا تتعايش مع الحوار ولا تؤمن بالتعدد، بل ترى في كل اختلاف تهديداً، وفي كل مفاوضة تنازلاً، وفي كل مبادرة فرصة لإعادة تدوير خطابها.

وقد أثبتت التجارب أن هذه المشاريع لا تنتج إلا نتيجتين:
إما صراعاً أهلياً لا آخر له، أو دولة منهارة لا مكان فيها للثقة.
فحين تستباح مؤسسات الدولة، تنفتح بوابات العنف، وتتهاوى قيم العدالة، ويُستبدل القانون بمنطق “معي أو ضدي”.

يقول أبو عبدالله الراشدي: “ما انهارت دولة إلا حين اعتقد أهلها أن الولاء أصلٌ، والكفاءة فرع.”
وهو قول يلخص المأساة التي تتكرر في كل بلد ابتُلي بالإسلام السياسي.

إن أخطر ما في هذه المشاريع أنها تُقدّم نفسها على أنها قدر، أو على أنها الطريق الواحد إلى النجاة، بينما هي في حقيقتها طريقٌ إلى التمزق. فهي لا تُصالح، ولا تُسالم، ولا تُؤمن بانتقال سلمي للسلطة. وحدها السلطة هي محرّكها الأول، وحين تفشل في تحقيقها، تُغرق المجتمع في صراعٍ طويل حتى لا تبقى ساحةٌ قابلة للمساءلة.

واليوم، لم تعد القضية تخص بلداً بعينه، ولا تجربةً محلية معزولة.
المشهد بات تحذيراً عالمياً:
احموا الدولة الحديثة، لأنها آخر أسوار الإنسان في مواجهة الفوضى.
احموا الدين من تجار المقدس، لأنه أسمى من أن يتحوّل إلى لافتة حزبية.
احموا الشعوب من مشاريع تتقن الهدم، ولا تُجيد البناء.

فالإسلام السياسي—مهما تجمّل بالشعارات—ليس سوى مشروع لهدم العالم من داخله، مشروع يزرع الخوف حيث يجب أن يكون القانون، والانقسام حيث يجب أن تكون المواطنة، والسيطرة حيث يجب أن تكون الحرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!