رأي

امتحانات السلام تفضح أوهام قانون عبد الرحيم المزعوم

سمية النور دهب

 

سمية النور دهب 

في كل مرة تنجح حكومة السلام في تحقيق اختراق حقيقي على الأرض، يخرج علينا بعض أصحاب الأقلام المأزومة بمحاولات يائسة لصرف الأنظار عن الوقائع والإنجازات نحو معارك جانبية تقوم على الإثارة السياسية والتشويه وتزييف الوعي. وهذا ما فعلته الكاتبة لبنى حسين في مقالها الأخير الذي جاء محملاً بالأحكام المسبقة والانطباعات السياسية، وخالياً من الحد الأدنى من المهنية والموضوعية التي يفترض أن تلتزم بها الصحافة الجادة.

فبينما كانت آلاف الأسر في دارفور وكردفان تحتفل بعودة أبنائها وبناتها إلى قاعات امتحانات الشهادة السودانية بعد انقطاع دام أكثر من ثلاث سنوات بسبب الحرب، اختارت الكاتبة أن تدير ظهرها لهذا الحدث التاريخي وأن تنشغل بإعادة تدوير روايات سياسية قديمة لا تقدم حلاً ولا تصنع أملاً ولا تلامس معاناة المواطنين الحقيقية.

لقد مثلت انطلاقة امتحانات الشهادة السودانية في مناطق سيطرة حكومة السلام حدثاً استثنائياً بكل المقاييس، لأنه أعاد الأمل إلى جيل كامل كاد أن يفقد حقه في التعليم. ولم يكن ذلك مجرد نشاط إداري عابر، بل رسالة وطنية وإنسانية تؤكد أن بناء المستقبل يبدأ من المدرسة وأن حماية حق التعليم لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى تخوضها الشعوب من أجل البقاء والاستقرار.

لكن المشكلة الحقيقية لدى بعض الكُتّاب ليست في الوقائع نفسها، بل في عجزهم عن تقبل أي نجاح يتحقق خارج الدوائر السياسية التي اعتادت احتكار الدولة والسلطة والخطاب الإعلامي لعقود طويلة. لذلك لا عجب أن تتحول إنجازات حكومة السلام إلى مصدر انزعاج وغضب لدى بعض الأصوات التي ما زالت أسيرة مواقفها القديمة.

وفي هذا السياق جاء حديث لبنى حسين عما أسمته “قانون عبد الرحيم دقلو”، وهو مصطلح دعائي أكثر منه توصيفاً قانونياً أو سياسياً. فاختزال واقع معقد ومؤسسات قائمة وسلطة تدير شؤون ملايين المواطنين في شخص واحد ليس تحليلاً سياسياً، بل محاولة للهروب من الحقيقة الأساسية، وهي أن هناك مؤسسات تنفيذية وإدارية وعدلية تمارس مهامها في مناطق واسعة من البلاد.

وإذا كانت لدى الكاتبة اعتراضات قانونية على أي إجراء أو محاكمة، فإن النقاش يجب أن يكون حول الإجراءات والضمانات القانونية والنصوص الحاكمة، لا عبر إطلاق أوصاف إنشائية وصناعة شعارات إعلامية هدفها الإثارة السياسية أكثر من خدمة الحقيقة. فالدول لا تُدار بالمقالات الغاضبة، والعدالة لا تُبنى بالشعارات.

والأكثر إثارة للاستغراب أن كثيراً ممن يتحدثون اليوم عن سيادة القانون التزموا الصمت لسنوات طويلة أمام انتهاكات موثقة واعتقالات تعسفية ومحاكم استثنائية ومصادرة للحريات مارستها سلطات مختلفة في السودان. يومها لم نسمع هذا القدر من الحماس للعدالة ولا هذا الحرص المفاجئ على حقوق الإنسان.

أما الحديث عن سجن دقريس بلغة الإثارة والتهويل وتقديمه باعتباره حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش، فهو أقرب إلى الدعاية السياسية منه إلى العمل الصحفي الرصين. فالصحافة الجادة تبني أحكامها على الأدلة والوثائق والشهادات الموثقة، لا على القصص المتداولة والانطباعات الشخصية وإعادة إنتاج الروايات المتداولة في وسائل التواصل الاجتماعي.

لقد أدركت جماهير السودان اليوم أكثر من أي وقت مضى الفرق بين من يعمل على الأرض ومن يكتفي بإطلاق الأحكام من خلف الشاشات. وأدركت أيضاً أن هناك من ينزعجه أي نجاح يتحقق لصالح المواطنين، حتى وإن كان ذلك النجاح يتمثل في عودة آلاف الطلاب إلى مقاعد الدراسة بعد سنوات من الحرمان.

إن شعوب دارفور وكردفان لا تحتاج إلى دروس في الوطنية من أحد، ولا إلى مقالات تحاول مصادرة فرحتها بعودة التعليم واستعادة الأمل. فهي تعرف جيداً من وقف إلى جانبها في أوقات المحنة، ومن اكتفى بإنتاج الخطابات والاتهامات. كما تعرف أن المستقبل لا يبنيه أصحاب الإحباط والكراهية، بل يبنيه الذين يفتحون المدارس ويحافظون على حق الأطفال في التعليم ويزرعون الأمل في نفوس الناس.

ولهذا فإن محاولات ذر الرماد في العيون لم تعد تنطلي على أحد. فالوقائع على الأرض أقوى من المقالات، وصوت الطلاب داخل قاعات الامتحانات أعلى من ضجيج الحملات الإعلامية، وإرادة الشعوب أقوى من كل محاولات التشويه والتضليل.

ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة واضحة: هل الهدف حقاً هو الدفاع عن سيادة القانون، أم أن القانون يصبح مهماً فقط عندما يمكن استخدامه كسلاح سياسي ضد خصوم بعينهم؟ لأن العدالة الحقيقية لا تتجزأ، ومن يؤمن بها يطالب بها للجميع وفي كل الظروف، لا عندما تخدم مواقفه السياسية فقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!