رأي

تلس في الذاكرة: مشقة الطريق وكرم الناس وجسر يبنيه الوجع

د.دقاش حسب الله دقاش 

 

د.دقاش حسب الله دقاش 

لم أكن أعرف أن الطريق إلى تلس سيحفر في ذاكرتي أكثر من المدينة نفسها.  

كان ذلك في العام 2013 عندما قررت زيارة تلس بولاية جنوب دارفور. خرجت من نيالا مع أول خيوط الصباح وودعت الأسفلت وبدأت الرحلة الحقيقية. طريق ترابي يلتهم الإطارات ويلتهم الصبر. وكلما ارتفع منسوب المطر تحولت الأرض إلى بحر من الطين. السيارة تغرز والشباب ينزلون ليدفعوا بأكتافهم ونحن ندعو الله أن لا يقطع الوادي الطريق.

استغرقت الرحلة التي كان يفترض أن تكون ساعات يوما كاملا وسط الغبار والجوع والخوف من وديان الخريف. ومع ذلك لم أسمع كلمة تذمر واحدة. كانوا يقولون لي “أصبر يا دكتور تلس تستاهل”.

وعند المغيب فتحت أمامي تلس. بيوت خضراء محاطة بالدخن والذرة ورائحة الأرض المبللة تملأ المكان. استقبلني أهلها كما يستقبلون المطر بعد جفاف. رجال كبار قالوا “حباب الزول الجانا من بعيد”. ونساء خرجن باللبن الحامض والكسرة وأطفال يجرون حفاة في عيونهم فرح.

بت في بيت رجل بسيط لا يملك إلا عنقريبا وبرشا لكنه أصر أن أنام في الديوان وقال “ضيفنا ده ضيف الله وضيف البلد كلها”. وفي الصباح رأيت جمال المدينة وسوقا مكتظا وتجارا يبيعون بالكلمة. رأيت مجتمعا متماسكا لا يعرف الباب المغلق. البيت للجميع والفرح للجميع والوجع للجميع. يومها فهمت لماذا يسمونها “سلة جنوب دارفور” لأن الأرض معطاءة ولأن الناس أكرم من الأرض.

واليوم في 20 يوليو 2026 شاهدت فيديو متداول لأهلنا وهم يرفعون الحجارة في عتبات الكبري تحت المطر. نفس الشباب الذين استقبلوني بالضحك في 2013 رأيتهم الآن يخوضون الوحل بأرجل حافية ويحملون الحجارة والخشب فوق ظهورهم. لا يبكون لأنهم يعلمون أن البديل هو الغرق. البديل أن تتعفن المحاصيل التي رأيتها خضراء وأن تموت الحامل في الطريق الذي مشيته وأن ينقطع التلميذ عن المدرسة التي زرتها.

قبل أيام قطع الوادي الطريق بين القرى والأسواق وبين المرضى والمستشفى. فلم ينتظر الأهالي الدولة التي غابت سنين عن أهل الهامش وبنوا جسرا بدائيا بأيديهم. جسر لا يكلف ملايين بل كلفته كرامة إنسان رفض أن ينتظر الموت.

إن معاناة تلس ليست وليدة هذا الخريف. منذ الاستقلال وضعت الحكومات تنميتها في المركز وتركت الهامش للإهمال. وتحول التهميش إلى سياسة فجففت المشاريع ودمرت الطرق وربطت الخدمات بالولاء. ومع الحرب انسحبت الدولة تماما فلا أمن يحمي ولا طريق يصل ولا مستشفى يعالج. فكان لابد لأهل الكرم أن يتصرفوا بأنفسهم.

وتلس هي التي تغذي الإقليم اليوم بالذرة والماشية. وعندما يقطع الوادي الطريق يتهدد الأمن الغذائي وتتوقف المدارس وتموت النساء الحوامل لأن الإسعاف لا يعبر. وكل جسر يبنيه المواطن بيده هو إدانة صريحة لغياب الدولة.

إلى حكومة السلام :

أهل تلس بنوا جسرهم اليوم بعرقهم ودمهم. والمطلوب منكم الآن أن لا ينهار هذا الجسر وأن لا يضطروا لإعادته العام القادم. فعليه تدخلوا و أرسلوا فريقا هندسيا لتحويل الجسر الشعبي إلى جسر دائم. افتحوا الطرق المقطوعة وسيروا قوافل طبية وغذائية. أدرجوا تلس في خطة الإعمار القومية. ادعموا المبادرات الشبابية وحولوها إلى شراكة.

فبناء الدولة يبدأ من حيث انتهى المواطن. يبدأ من جسر في تلس المدينة الخضراء ومن طريق لا يبتلع أبناءنا ومن مستشفى يداوي جراحهم. تدخلوا اليوم قبل أن يتحول هذا الجسر من رمز للصمود إلى شاهد على الخذلان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!