رأي

بين نبوّة الحقيقة وادّعاء الوهم… قراءة مقارنة بين قصة سيدنا نوح و نموذجي “إيبو نوح” و “الكوز”

بروفيسور سيف الدين عبد الرحمن 

 

بروفيسور سيف الدين عبد الرحمن 

إيبو نوح، مواطن غاني ادعى النبوّة، بدأت نبوّته عندما زعم أنه تلقى وحيًا إلهيًا يفيد بأن العالم سيشهد نهاية كارثية، وحدد موعدها 25 ديسمبر 2025م. و أنه سيحدث طوفان عالمي لن ينجو منه إلا من يصعد إلى السفينة التي بناها. جذب إيبو نوح آلاف المتابعين (الهتيفة في حالة الكوز) الذين صدقوا مزاعمه، وقاموا ببيع ممتلكاتهم لحجز أماكن في السفينة. لم يحدث الطوفان في الموعد المحدد، فأعلن إيبو نوح تأجيل نهاية العالم، زاعمًا أن الله أوحى إليه بمنحه مزيدًا من الوقت لإعطاء الناس فرصة إضافية للنجاة والانضمام إلى مشروعه.

أثارت هذه القصة جدلًا واسعًا، خاصة بعد ظهور إيبو نوح وهو يترجل من سيارة مرسيدس فاخرة (هي لله هي لله)، اشتراها من أموال أتباعه. وقد ألقت السلطات الغانية القبض على إيبو نوح بتهمة نشر معلومات كاذبة وتضليل الرأي العام. أما الكوز مواطن من ” من أين أتى هؤلاء!” لن تقبض عليه السلطات بعد.

تظل قصة النبي نوح عليه السلام واحدة من أكثر القصص الدينية حضورًا وعمقًا في الوعي الإنساني، ليس فقط لأنها تحكي حدثًا تاريخيًا عظيمًا مثل الطوفان، بل لأنها تقدم نموذجًا للرسالة الصادقة، والثبات على المبدأ، والإيمان العميق الذي لا يتزعزع أمام السخرية والرفض. و على النقيض، يظهر عبر التاريخ أشخاص يدّعون النبوّة و القداسة دون سند أو رسالة حقيقية، ويقدمون خطابًا مزيّفًا يقوم على التأثير العاطفي لا على الحقيقة، ومن بينهم نموذج رمزي يعرف بـ“إيبو نوح” و آخر يعرف بـ“الكوز”.

الفارق الجوهري بين النموذج الأول و النموذجين الآخرين يبدأ من مصدر الشرعية. فنوح عليه السلام نبيّ مرسل بوحي إلهي واضح ومحدد الهدف “الدعوة إلى التوحيد وإصلاح المجتمع وإقامة منظومة أخلاقية عادلة”. أما “إيبو نوح”، و ” الكوز” هما نموذجان لخطاب بشري يصطنع القداسة، ويستمد قوته من الزعامة الشخصية والرغبة في السيطرة بدلًا من التكليف الإلهي.

كما يبرز التباين في منهج الدعوة والتعامل مع المجتمع. فقد مثّل نوح عليه السلام مدرسة في الصبر والحكمة؛ دعا قومه بالحسنى، استخدم العقل والحجة، وتحمّل الرفض والسخرية 950 عام دون أن يتراجع أو ينحرف عن رسالته. بينما يقوم خطاب المدّعين “إيبو نوح و الكوز” عادة على المبالغة والتهديد، و على صناعة هالة حول الذات بدل بناء منظومة قيمية حقيقية.

حتى السفينة والطوفان يحملان المعنى ذاته من حيث الفرق بين الحقيقة والوهم. فالسفينة في قصة نوح مشروع رباني هدفه حماية المؤمنين، والطوفان كان حدثًا إلهيًا محكومًا بالعدل، جاء بعد مرحلة طويلة من الإصرار على الفساد. أما عند “إيبو نوح و الكوز”، فالسفينة تتحول إلى مجرّد رمز استعراضي بلا جوهر، والطوفان إلى أداة تخويف نفسية بلا حقيقة.

وفي النهاية، تؤكد النتيجة الفاصلة هذه المقارنة.

النبوّة الحقيقية تنتصر لأنها تقوم على الحق، وتخدم الإنسان، وتستمد قوتها من السماء. أما النبوّة الزائفة فتسقط لأنها تقوم على الوهم وتفتقر إلى الأساس الأخلاقي. وبين هذا وذاك، يبقى الدرس واضحًا. الحقيقة لا تحتاج إلى ادّعاء، والزيف مهما ارتدى ثوب القداسة سينكشف أمام أول اختبار للواقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!