
نجم الدين دريسة
ليست كل الحروب مجرد صراع على السلطة، وليست كل الأزمات السياسية خلافًا بين نخب تتنافس على إدارة الدولة. فهناك لحظات تاريخية تتجاوز فيها المجتمعات حدود الأزمة التقليدية لتدخل مرحلة أكثر تعقيدًا، تصبح فيها بنية الدولة نفسها موضع سؤال، وتغدو قواعد النظام السياسي التي حكمت البلاد لعقود عاجزة عن إنتاج الاستقرار أو بناء الشرعية أو الحفاظ على وحدة المجتمع. عند تلك اللحظة لا يعود التاريخ يتحرك داخل الإطار القديم، بل يبدأ في صناعة إطار جديد، ويصبح الرهان الحقيقي على شكل الدولة القادمة لا على أسماء الذين سيتولون إدارتها.
لقد أثبتت التجربة السودانية، منذ الاستقلال وحتى اليوم، أن المشكلة لم تكن يومًا محصورة في الحكومات أو الأحزاب أو الأشخاص، وإنما في النموذج الذي قامت عليه الدولة نفسها. فقد تشكلت السلطة على مركزية شديدة، واحتكرت القرار السياسي والاقتصادي، بينما ظلت مساحات واسعة من البلاد تعيش خارج معادلة النفوذ الحقيقي. ومع مرور العقود تراكمت الاختلالات، واتسعت الفجوة بين المركز والأطراف، حتى أصبحت الحرب تعبيرًا عن أزمة تاريخية ممتدة، لا مجرد نزاع عسكري عابر.
ولذلك فإن اختزال المشهد الراهن في كونه صراعًا على السلطة يمثل قراءة لا تلامس جوهر التحولات الجارية. فما تشهده البلاد اليوم يتجاوز حدود المنافسة السياسية التقليدية إلى لحظة يعاد فيها تعريف معنى الدولة، وحدود سلطتها، وموقع المواطن داخلها، وطبيعة العلاقة بين الهوية والحقوق والموارد والتمثيل السياسي. إنها لحظة تتقاطع فيها السياسة مع التاريخ، ويتحول فيها السؤال من “من يحكم؟” إلى “كيف يجب أن تُبنى الدولة أصلًا؟”.
لقد اعتادت النخب السودانية النظر إلى الأزمات باعتبارها نتيجة لفشل الحكومات أو ضعف الأحزاب أو سوء إدارة الفترات الانتقالية، لكن الوقائع المتراكمة تكشف أن هذه التفسيرات، على أهميتها، لا تمثل سوى جزء من الصورة. فالدولة التي تعيد إنتاج الانقلابات والحروب والأزمات بصورة دورية لا تعاني فقط من خلل في إدارتها، بل من أزمة عميقة في بنيتها، لأن المؤسسات التي كان يفترض أن تكون ضامنة للاستقرار أصبحت جزءًا من دورة الصراع نفسها، ولم تعد قادرة على إنتاج عقد اجتماعي يستوعب التنوع السوداني أو يؤسس لمواطنة متساوية.
ومن هنا فإن محاولات إعادة إنتاج الصيغ السياسية القديمة تبدو عاجزة عن استيعاب طبيعة التحول التاريخي الراهن. فليس كل انهيار يمكن احتواؤه بإصلاحات جزئية، وليس كل تصدع يمكن معالجته بتسويات مؤقتة. هناك مراحل يبلغ فيها البناء السياسي حدًا من التآكل يجعل ترميمه مجرد تأجيل لانهيار جديد، بينما يفرض الواقع ضرورة الانتقال إلى تصور مختلف للدولة، يقوم على توزيع عادل للسلطة والثروة، ويؤسس لعلاقة جديدة بين المركز والأقاليم، وبين المواطن ومؤسسات الحكم.
لقد غيرت الحرب السودانية موازين الفعل السياسي بصورة غير مسبوقة. فلم تعد الخرطوم وحدها مركز إنتاج القرار، ولم تعد القوى التقليدية صاحبة الاحتكار الكامل للمبادرة السياسية، كما لم تعد المعادلات التي حكمت الحياة العامة منذ الاستقلال قادرة على تفسير المشهد أو رسم مستقبله. لقد برزت وقائع جديدة، وفاعلون جدد، وأسئلة جديدة، الأمر الذي يجعل أي محاولة لاستعادة أدوات الماضي دون مراجعة نقدية عميقة أقرب إلى الرغبة في استعادة زمن انتهى، لا إلى قراءة دقيقة لما يجري على الأرض.
والتاريخ يعلمنا أن المجتمعات الخارجة من الحروب الكبرى لا تبني مستقبلها عبر إعادة تدوير المؤسسات التي قادت إلى الانهيار، وإنما عبر مراجعة شاملة للأسس التي قامت عليها تلك المؤسسات. فالدولة ليست مجرد جهاز إداري، وإنما منظومة قيم، وشكل لتوزيع السلطة، وطريقة لتعريف المواطنة، وآلية لإدارة التنوع. وإذا ثبت تاريخيًا أن هذه المنظومة كانت عاجزة عن منع الحروب والانقسامات، فإن الإصرار على الإبقاء عليها يعني عمليًا إعادة إنتاج الأسباب نفسها التي قادت إلى الأزمة.
إن المستقبل لا تصنعه الرغبة في العودة إلى ما قبل الحرب، لأن ما قبل الحرب لم يكن نموذجًا للاستقرار بقدر ما كان تراكمًا للأزمات المؤجلة. ولذلك فإن الحديث عن سودان جديد لا ينبغي أن يُفهم باعتباره شعارًا سياسيًا، بل باعتباره ضرورة تاريخية تفرضها طبيعة التحولات التي شهدتها البلاد، والحقائق التي كشفتها سنوات الصراع الطويلة.
إن بناء دولة حديثة يتطلب الاعتراف بأن العدالة ليست ملحقًا سياسيًا يمكن تأجيله، وإنما هي الأساس الذي تُبنى عليه الشرعية الوطنية. كما أن المواطنة لا تكتمل بمجرد النصوص الدستورية، بل تتحقق عندما يشعر كل فرد بأن الدولة تمثله وتحمي حقوقه وتمنحه الفرص نفسها التي يتمتع بها غيره، بعيدًا عن معايير الجغرافيا أو الانتماء أو النفوذ.
ولهذا فإن إعادة التأسيس ليست مشروعًا لتغيير الوجوه، وإنما مشروع لإعادة تعريف الدولة نفسها، بحيث تصبح أداة لخدمة المجتمع لا وسيلة لاحتكار السلطة، وإطارًا لإدارة التنوع لا لإنتاج الانقسام، وضامنًا للمساواة لا مصدرًا للامتيازات.
إن الأمم لا تُقاس بقدرتها على تجاوز الحروب وحدها، وإنما بقدرتها على تحويل المأساة إلى فرصة لإعادة بناء ذاتها على أسس أكثر رسوخًا. والسودان يقف اليوم أمام مفترق تاريخي لا يحتمل الحلول المؤقتة ولا التسويات التي تؤجل الانفجار. فإما أن يُبنى عقد اجتماعي جديد يعالج جذور الأزمة ويؤسس لدولة تستوعب الجميع، وإما أن تستمر البلاد في الدوران داخل الحلقة نفسها التي أنهكتها لعقود.
لقد انتهى زمن الاكتفاء بإدارة الأزمات، وبدأ زمن البحث عن أسس جديدة للدولة والشرعية والمواطنة. وعندما تصل الأمم إلى هذه اللحظة، فإن التاريخ لا يسألها كيف حافظت على الماضي، بل كيف امتلكت الشجاعة لبناء المستقبل. فالدول العظيمة لا تولد من إنكار التحولات، وإنما من القدرة على قراءتها بوعي، وتحويلها إلى مشروع وطني يفتح الطريق أمام أجيال جديدة، ويؤسس لسودان يتجاوز إرث الانقسامات، ويستمد قوته من العدالة، ووحدته من التنوع، وشرعيته من إرادة جميع مواطنيه.



