
نجم الدين دريسة
الأفكار العظيمة لا تهزمها الظروف مهما قست، وإنما يقتلها العجز عن تحويلها إلى واقع.
يمر السودان اليوم بلحظة مفصلية، حيث تتشابك الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتخلق واقعًا مأزومًا يهدد استقرار البلاد ومستقبل مواطنيها. في هذا المشهد المتعقد، ظهر تحالف السودان التأسيسي كمشروع سياسي وفكري يحمل وعودًا كبيرة، ليس لإصلاح الدولة فقط، بل لإعادة تعريفها من جذورها، ووضع المواطن في قلب الحكم بعد عقود من التهميش والإقصاء.
التحالف قدم رؤية غير مسبوقة في السودان، تتجاوز النقد التقليدي للمركزية أو الصراعات السياسية، لتطرح حلولًا جذرية لمعالجة جذور الأزمة. فقد سلط الضوء على الفشل المتواصل للنخب في إدارة التنوع الثقافي والاجتماعي، وانتقد الذهنية المركزية القابضة التي ورثتها الدولة عن وكلاء الاستعمار، والتي عطّلت أي إمكانية لتحقيق حكم رشيد وموحد.
السؤال الأكبر الذي حاول التحالف الإجابة عليه: كيف يُحكم السودان بطريقة تحمي التعددية وتضمن العدالة والمساواة؟ هذه الإجابة جاءت نتيجة تحليل سبعة عقود من التجربة السودانية، حيث عجزت النخب عن إدارة الاختلاف، وغلب عليها التفكير الرغائبي الذي تجاهل الواقع المركب للشعب السوداني.
بالنسبة للشعوب المهمشة، مثل هذه الرؤية كانت بمثابة بارقة أمل. فقد خاطبت جماهير عريضة كانت مستبعدة من العملية السياسية، وأكدت لهم أن السودان يمكن أن يكون وطنًا للجميع، لا ملكًا لنخبة ضيقة. ومن هنا، يمثل التحالف فرصة تاريخية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، ولتجسيد العدالة الاجتماعية والتنمية الحقيقية.
غير أن الواقع يكشف فجوة كبيرة بين النظرية والتطبيق. فالأفكار العميقة التي يحملها التحالف ما تزال حبسة الأوراق، ولم تُترجم بعد إلى حركة سياسية فعلية على الأرض. البطء في الحركة التنظيمية، وضعف الهياكل التنفيذية، وغياب حضور مؤثر في الفضاء الإقليمي والدولي، كل ذلك يضع المشروع أمام تحديات جسيمة، قد تهدد تأثيره حتى قبل أن يثبت نفسه.
في ظل هذه التحديات، يظل التحالف بحاجة ماسة إلى أجهزة مؤسسية قوية، تضمن تطبيق الرؤية، وانتشارها بين الجماهير، وإيصالها إلى صناع القرار الإقليمي والدولي. النجاح الحقيقي لا يتحقق بمجرد الأفكار، بل بالقدرة على تحويلها إلى واقع ملموس يلمسه المواطن يوميًا، في حياته ومعيشته وفرصه.
الدرس الذي يفرض نفسه على قيادة التحالف هو أن الوطن لا ينتظر، وأن التأجيل قد يكون مكلفًا للغاية. إذ تتفاقم النزاعات، وتنهار المؤسسات، وتتعرض شرائح واسعة من المجتمع للمزيد من التهميش. لذلك، فإن قوة التحالف لا تقاس بوضوح رؤيته فقط، بل بقدرته على التحرك، والتواصل، والتنظيم، وبناء مؤسسات تضمن الانتشار والفاعلية على الأرض.
ومع كل هذه التحديات، تبقى قيمة التحالف كبيرة، والفرصة أمامه قائمة. المشهد السياسي السوداني، بكل تشظيه وتعقيده، ينتظر مشروعًا قادرًا على إعادة الثقة، وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإعادة البوصلة إلى الديمقراطية والحرية والكرامة.
تحالف السودان التأسيسي يمتلك واحدة من أعمق الرؤى التي طرحت في المشهد السياسي المعاصر. إنه قادر على إعادة الاعتبار للتنوع، وإصلاح العلاقة بين الدولة والمواطن، ورفض الذهنية المركزية القابضة التي أضرت بالبلاد لعقود. لكن النجاح الحقيقي يتطلب إرادة قوية، وأجهزة منظمة، وحركة مستمرة، وقدرة على مواجهة التحديات العملية على الأرض. وما بين الرؤية الكبيرة والبطء التنظيمي، يظل السؤال قائمًا: هل سينهض التحالف ليصبح الفجر الذي طال انتظاره للشعب السوداني، أم سيظل مجرد فكرة جميلة في زمن صعب؟
الجواب النهائي لن تصنعه الوثائق وحدها، بل الإرادة، والفعل المستمر، والمثابرة على الأرض، مع الالتزام الثابت بخدمة الوطن ومصالح مواطنيه. وما لم يتحرك التحالف بسرعة وحكمة، قد تضيع هذه الفرصة التاريخية، ويظل السودان أسير الماضي، ينتظر فجرًا قد لا يأتي إلا بعمل سياسي وشعبي حقيقي.




