
نجم الدين دريسة
لم يكن الحديث عن موقف الإمام الصادق المهدي، عليه الرحمة، من قوات الدعم السريع وقائدها محمد حمدان دقلو حديثاً نظرياً أو منقولاً عبر وسائط الإعلام فقط، بل تكشّف في كثير من جوانبه عبر شهادات مباشرة لقيادات عايشت تلك اللحظات وسمعت رأي الإمام دون وسيط. في هذا السياق، جمعني لقاء مع بعض القيادات الشبابية بحزب الأمة القومي في كمبالا، حيث دار حديث عميق حول تلك المرحلة المفصلية من تاريخ السودان، وحول الكيفية التي كان يفكر بها الإمام وهو يقرأ مآلات الانتقال السياسي وتعقيداته.
تحدّث الشرتاي أحمد عديل، القيادي بحزب الأمة القومي، عن تلك التجربة بوصفه شاهداً مباشراً عليها. أوضح أن دافعه للقاء الإمام الصادق المهدي جاء من رغبته في الاسترشاد برأي رئيس الحزب حول دعوة وجّهها قائد قوات الدعم السريع لقيادات الإدارة الأهلية للتفاكر في الشأن العام. وبحكم موقعه كأحد قيادات حزب الأمة وزعيماً للإدارة الأهلية بمنطقة دار حمر، المعروفة تاريخياً بولائها لكيان الأنصار وحزب الأمة، رأى عديل أن من واجبه السياسي والتنظيمي معرفة موقف قيادة الحزب من تلك الدعوة وحدود التعامل معها.
السياسة وميزان الواقع
أفاد الشرتاي أحمد عديل أن اللقاء الذي جمعه بالإمام امتد لما يقارب الساعة والنصف، وكان لقاءً صريحاً ومكاشفاً. خلاله، عبّر الإمام عن رؤيته لقوات الدعم السريع باعتبارها قوة غير مؤدلجة في أصل تكوينها، وأن غالبية عناصرها تنتمي إلى بيئات اجتماعية ظلت تقليدياً ضمن القواعد الجماهيرية لكيان الأنصار وحزب الأمة القومي. لم يكن هذا التوصيف، بحسب ما نقله عديل، تبريراً أو تزكية مطلقة، بل محاولة لفهم التحولات العميقة في بنية المجتمع والقوة داخل الدولة السودانية.
وأوضح الإمام، وفق شهادة عديل، أن قراءته لقوات الدعم السريع لا تنفصل عن تجربته الطويلة مع الدولة السودانية والانقلابات العسكرية المتعاقبة. فقد ظل مقتنعاً بأن الأزمة الأساسية لا تكمن فقط في عسكرة السياسة، بل في اختلال ميزان القوة الذي جعل أي مشروع مدني عرضة للإجهاض. ومن هذا المنطلق، قال الإمام إن الديمقراطية نفسها تظل مهددة ما لم تُحمَ من تغوّل المؤسسة العسكرية التقليدية، التي وصفها بأنها مخترقة ومرتهنة، ولها تاريخ حافل بإجهاض الأنظمة المدنية والانقضاض على الهبات الشعبية.
توحيد البندقية بوصفه نبوءة تحذير
وفي سياق تحليله لمآلات الصراع بين المركز والهامش، أشار الإمام الصادق المهدي – كما نقل الشرتاي أحمد عديل – إلى أن استمرار مظالم المركز، وتراكم الإقصاء السياسي والاقتصادي، يقود بالضرورة إلى لحظة تتوحد فيها بندقية الهامش تلقائياً في مواجهة المركز. لم يكن هذا الحديث دعوة إلى توحيد السلاح، ولا تبنياً لخيار عسكري، بقدر ما كان تحذيراً مبكراً ونبوءة سياسية تستند إلى فهم عميق لديناميات الظلم والاحتقان الاجتماعي في السودان.
وحذّر الإمام، بحسب رواية عديل، من أن غياب التنمية المتوازنة، وانعدام العدالة في توزيع السلطة والثروة، وعدم الاعتراف المتبادل بالحقوق والواجبات، يجعل من توحّد السلاح ضد المركز مساراً شبه محتوم، لا خياراً سياسياً منظماً. وهي نبوءة، كما يرى عديل، كادت أن تتحقق على نحو كارثي، حين انفجر الصراع بصورة عمّت أغلب أقاليم السودان، مؤكدة صحة قراءة الإمام المبكرة لمخاطر تجاهل جذور الأزمة الوطنية.
دارفور بوصفها مدخل الحل
كما شدد الإمام، بحسب عديل، على أن المدخل الحقيقي لأي استقرار وطني يمر عبر دارفور. ولهذا حمّله وصية واضحة إلى قائد قوات الدعم السريع بضرورة العمل الجاد على توحيد أهل دارفور، وإنجاز مصالحات اجتماعية حقيقية، باعتبارها الأساس الذي يمكن أن يُبنى عليه أي مشروع مدني مستدام. فدارفور، كما كان يردد الإمام، ليست هامشاً جغرافياً فحسب، بل تمثل جوهر الأزمة السودانية كلها.
حزب الأمة ورؤية الدولة
ويأتي هذا الحديث في سياق أوسع يتعلق بدور حزب الأمة القومي نفسه، بوصفه حزباً تاريخياً يضم أعداداً كبيرة من الكوادر المشهود لها بالكفاءة والعطاء السياسي والفكري. فالحزب، بقيادة اللواء فضل الله برمة ناصر، ظل يستند إلى تراكم نضالي طويل، وإلى مدرسة فكرية أسسها الإمام الصادق المهدي، تقوم على قراءة الواقع بعمق، والتعامل مع تعقيداته بعيداً عن التبسيط أو الشعبوية.
إن شهادة الشرتاي أحمد عديل تفتح نافذة مهمة لفهم موقف الإمام الصادق المهدي بعيداً عن القراءات السطحية أو الأحكام المتأخرة. فهي تكشف عن رؤية رجل دولة كان يدرك هشاشة الانتقال، ويطلق تحذيراته من مصير الديمقراطية إذا لم تُعالج جذور الأزمة البنيوية للدولة السودانية. وقد يختلف الناس اليوم حول نتائج تلك الرؤية، لكن يصعب تجاوز حقيقة أنها انطلقت من حرص عميق على كسر الحلقة المفرغة التي ظلت تعيد إنتاج الاستبداد، كلما اقترب السودانيون من حلم الدولة المدنية.




