رأي

بين الإقصاء والخوف: معضلة النخب وبناء السلام في السودان

ادم بركة دفع الله

 

ادم بركة دفع الله

منذ استقلال السودان عام 1956، ظل السؤال المؤجل هو: كيف تُبنى دولة وطنية جامعة تتسع لكل مكوناتها؟ لم يكن الخلل عارضًا أو مرتبطًا بمرحلة بعينها، بل تأسس مبكرًا حين ورثت نخب ما بعد الاستعمار جهاز دولة صُمّم لخدمة مركز محدود واستفادت منه مكونات جهوية بعينها، ولم تُعد صياغته ليعبّر عن التنوع الواسع في المجتمع السوداني. هكذا تشكلت دولة تميل إلى الاحتكار بدل المشاركة، وإلى الإقصاء بدل الإدماج، فباتت الأزمات تتناسل من داخل بنية الحكم نفسها.

في السنوات الأولى بعد الاستقلال، هيمنت أحزاب ارتبطت تاريخيًا بصراع النفوذ بين جناحي الاستعمار الانجليزي والمصري، إلى جانب تيارات تبنّت أيديولوجيات مستوردة لم تنبع من تعقيدات الواقع السوداني، بل اصطدمت بهويات المجتمعات وعمّقت فيها انقسامات اثنية ،دينية وعرقية . ورغم الشعارات البراقة، ظلت هذه القوى عاجزة عن إنتاج مشروع وطني جامع، إذ كرّست ممارساتها تركّز السلطة والثروة في أيدي مجموعات محددة يغلب عليها الطابع الجهوي المرتبط بأبناء الشمال. ومع مرور الوقت، لم يعد هذا الاحتكار مجرد نتيجة تاريخية، بل أصبح نمط حكم راسخًا، تُورَّث فيه الامتيازات داخل نفس الدوائر، وتُدار فيه الدولة كملكية خاصة لا كعقد اجتماعي قائم على المواطنة المتساوية.

تجلّت نتائج هذا الخلل في توالي الانقلابات العسكرية على الأنظمة الديمقراطية، بدءًا من انقلاب 1958 في السودان بقيادة إبراهيم عبود، ثم انقلاب 1969 في السودان بقيادة جعفر نميري، وصولًا إلى انقلاب 1989 في السودان الذي جاء بـعمر البشير مدعومًا من الجبهة الإسلامية القومية. هذه الانقلابات لم تكن فقط تعبيرًا عن صراع على السلطة، بل عكست رفضًا من النخب المهيمنة لتوسيع دائرة المشاركة وتقاسم الامتيازات مع بقية السودانيين، كما كشفت عجز نخبها المدنية والعسكرية معًا عن بناء نظام مستقر يقوم على الشرعية والتوافق.

وما يزيد من تعقيد الصورة أن هذه المجموعات المهيمنة نفسها—على اختلاف مرجعياتها الحزبية والفكرية—انخرطت بدرجات متفاوتة في مشروع الحكم الذي أعقب انقلاب 1989 في السودان، أي نظام “الإنقاذ”، سواء عبر المشاركة المباشرة أو التكيف مع بنيته أو الاستفادة من شبكاته. وبذلك لم يعد النظام الإسلامي معزولًا عن هذه النخب، بل أصبح إطارًا جامعًا أعاد إنتاج امتيازاتها بصورة جديدة. لهذا، فإن الطرح الذي يقوم على الإبعاد الكامل لما يُعرف بالنظام السابق، دون تمييز دقيق بين مستويات المسؤولية، يُفهم لدى هذه المجموعات—خصوصًا في الشمال—كإقصاء جماعي يستهدفها اجتماعيًا، لا فقط سياسيًا، وهو ما يفسر جزءًا من مقاومتها لأي تسوية لا تضمن لها موقعًا في المستقبل.

وفي ظل هذا السياق، استمرت الحروب الأهلية من جنوب السودان إلى دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وشرق البلاد، ولم تكن هذه النزاعات هامشية، بل نتيجة مباشرة لفشل المركز في استيعاب الأطراف ضمن مشروع وطني متكافئ. لقد عكست هذه الحروب أزمة هوية دولة لم تستطع أن تعرّف نفسها بوصفها دولة لجميع مواطنيها، بل أعادت إنتاج الانقسامات عبر سياسات التهميش والتمييز في التنمية والتمثيل السياسي.

عندما اندلعت الثورة السودانية 2018–2019، فتحت نافذة أمل لإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة، لكن المرحلة الانتقالية سرعان ما كشفت أن الأزمة أعمق من مجرد تغيير نظام حكم. فقد برزت تناقضات داخل قوى الثورة نفسها، بما في ذلك قوى تُعد تاريخيًا جزءًا من النخب المركزية، مثل الحزب الشيوعي السوداني واحزاب اخرى، الذي رغم معارضته للنظام السابق، ظل حاضرًا في بنية المركز السياسي، وتأثرت مواقفه بتعقيدات التوازنات الانتقالية، حيث أدى رفضها لبعض التسويات إلى إضعاف فرص الإجماع في لحظات حرجة. كما أن شخصيات فكرية مثل محمد جلال هاشم، واخريين ورغم إسهامهم في نقد بنية الدولة المركزية، تُصنّف القراءات ضمن نفس الفضاء النخبوي المرتبط بالمركز، مما يعكس إشكالية أعمق تتعلق بتداخل مواقع المعارضة والهيمنة داخل المشهد السوداني.

تعقّدت الأزمة أكثر مع تفكك المؤسسة العسكرية وظهور مراكز قوة متعددة، مثل قوات الدعم السريع، إلى جانب الحركات المسلحة الموقعة على اتفاقية جوبا للسلام وأخرى غير موقعة. هذا التعدد في مراكز القوة أضعف الدولة وفتح الباب أمام الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، والتي لا تزال مستمرة، وتعكس في جوهرها أزمة لم تُعالج جذورها، حيث تتمسك قوى مرتبطة بالإرث القديم بمفاصل الجيش وترفض تسويات تُشعرها بالإقصاء.

وفي خضم هذه الحرب، تصاعدت خطابات الكراهية والعنصرية، وبرز انخراط أعداد من الشباب—خاصة من الشمال—في تعبئة سياسية وعسكرية تحت شعارات مثل “حرب الكرامة”، في حالة اندفاع عاطفي حاد ترافق معها انتهاكات خطيرة. ولا يمكن فهم هذه الظاهرة فقط كخيار أيديولوجي، بل كاستجابة لمخاوف عميقة من فقدان المكانة والامتيازات، وهي مخاوف تغذت بدورها من خطاب الإقصاء وعدم تقديم بديل وطني جامع يطمئن هذه الفئات.

إن جوهر الأزمة السودانية يتمثل في عجز النخب المهيمنة تاريخيًا—بكل تنوعاتها، بما فيها الإسلامية واليسارية والتقليدية—عن استيعاب التنوع السوداني ضمن مشروع وطني جامع. فقد أُديرت الدولة بوصفها غنيمة، لا مسؤولية، وبوصف السلطة حقًا مكتسبًا، لا تفويضًا شعبيًا. لذلك، ظلت كل محاولات التفاوض لوقف الحرب تصطدم بمقاومة قوى تخشى فقدان امتيازاتها، أو إعادة ترتيبها خارج سيطرتها.

من هنا، فإن أي رؤية جديدة للسلام لا يمكن أن تنجح إذا أعادت إنتاج منطق الإقصاء، حتى حين يُوجَّه ضد قوى ارتبطت بالنظام السابق. المطلوب هو صياغة عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية، ويضمن مشاركة جميع السودانيين دون احتكار أو تمييز. ويشمل ذلك إيجاد صيغة سياسية تدمج المجتمعات التي انخرطت في الإسلام السياسي، ليس كقوة مهيمنة، بل كمكونات وطنية تقبل بقواعد التعددية والديمقراطية، مع ضمان المساءلة عن الانتهاكات دون تحويلها إلى أداة للإقصاء الجماعي.

كما أن إعادة بناء الجيش تظل حجر الزاوية لأي سلام مستدام، بحيث يتحول إلى مؤسسة وطنية مهنية تحمي البلاد لا السلطة، وهو ما يتطلب عملية إصلاح عميقة تعيد تعريف علاقته بالدولة والمجتمع.

في النهاية، فإن السلام في السودان ليس مجرد وقف للحرب، بل مشروع لإعادة تأسيس الدولة نفسها. مشروع يتطلب شجاعة في مواجهة الماضي ليس الهروب منه بتبني خطابات الانقسام اوالانفصال —خاصة من النخب التي احتكرت السلطة—وجرأة في تخيل مستقبل مختلف، حيث لا تكون الدولة ملكًا لجهة أو جماعة، بل وطنًا يتسع للجميع، قائمًا على العدالة والمواطنة والاعتراف المتبادل.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!