
السفير عادل إبراهيم مصطفى
جاءت ترقية صبير إلى رتبة فريق في مشهدٍ يستدعي إلى الذاكرة التصريح الشهير الذي أطلقه علي عثمان محمد طه حين قال بوضوح: «ما في ضابط ما مننا بصل لرتبة فريق». وكأن هذه الترقية لم تكن مجرد إجراء إداري عادي في سلم الترقيات العسكرية، بل تأكيدًا عمليًا لذلك القول، وتجسيدًا لنهجٍ ظل يربط بين الولاء السياسي ومسارات الترقي داخل المؤسسة العسكرية.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الترقية؛ إذ أُسندت إلى (الفريق) صبير قيادة الاستخبارات العسكرية، وهو جهاز ظل، لسنوات طويلة، أحد أكثر مفاصل الدولة إثارةً للجدل، وأكثرها ارتباطًا بصراعات النفوذ داخل السلطة. فقد لعب هذا الجهاز أدوارًا متشابكة في إدارة الصراعات السياسية والأمنية، وكان — في كثير من المحطات — بؤرةً للتوترات ومحركًا خفيًا للانقسامات التي أضعفت بنية الدولة ومؤسساتها.
غير أن المسار الوظيفي للرجل يثير بدوره جملةً من التساؤلات التي لا يمكن تجاهلها. فقد كان أول ملحق عسكري للسودان لدى دولة جنوب السودان بعد الانفصال، في مرحلة دقيقة من تاريخ العلاقة بين البلدين. وفي سياق تلك العلاقة، منحت حكومة جنوب السودان قطعة أرض تبلغ مساحتها نحو 1500 متر مربع للرئيس المخلوع عمر البشير، بوصفها — بحسب الرواية الرسمية آنذاك — تعبيرًا عن الامتنان لدوره في الترتيبات السياسية التي أفضت إلى قيام الدولة الجديدة، وهي الدولة التي تنتج ما يزيد على 300 ألف برميل من النفط يوميًا.
لكن ما تكشف لاحقًا يطرح صورة مختلفة تمامًا. إذ تشير المعلومات المتداولة إلى أن اللواء صبير، خلال فترة عمله ملحقًا عسكريًا، قام باقتطاع جزء معتبر من تلك الأرض وتسجيله باسمه. وقد رُفع هذا الملف بالفعل إلى لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو واسترداد الأموال العامة عقب ثورة ديسمبر 2019، غير أن القضية — ولأسباب لم تُكشف على نحو واضح — لم تمضِ إلى نهاياتها القانونية، ويبدو أنها طُمست قبيل أن تكتمل إجراءات التحقيق والمساءلة.
اليوم، ومع عودة لجنة تفكيك التمكين بسلطات أوسع وإرادة معلنة لاستعادة المال العام ومراجعة ملفات الفساد المرتبطة بالنظام السابق، يصبح من الضروري إعادة فتح هذا الملف دون تردد أو تهاون. فالمسألة هنا لا تتعلق بشخص بعينه بقدر ما تتعلق بمبدأ أساسي في بناء الدولة: مبدأ خضوع الجميع للمساءلة.
إن المطلوب في هذه الحالة ليس مجرد استدعاء القضية إلى الواجهة، بل فتح تحقيق شفاف ومستقل يفضي إلى تصحيح الوضع القانوني للأرض، وإعادتها كاملة إلى ملكية حكومة السودان باعتبارها مالًا عامًا لا يجوز التصرف فيه بغير وجه حق.
بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك في التفكير في مصير هذا الموقع. فبدل أن يبقى شاهدًا على حقبة من تضارب المصالح واستغلال النفوذ، يمكن تحويله إلى مركز لتعزيز التبادل الثقافي والاجتماعي والروابط التاريخية والإنسانية بين شعبي السودان وجنوب السودان. فالعلاقة بين البلدين ليست مجرد حدود سياسية، بل امتداد اجتماعي وثقافي عميق تشكل عبر قرون طويلة من التاريخ المشترك.
إن استعادة الحقوق العامة ليست إجراءً قانونيًا فحسب، بل خطوة أساسية في مسار العدالة الانتقالية، ورسالة واضحة بأن الدول الحقيقية تسعى إلى تأسيس منظومة حكم تقوم على الشفافية وسيادة القانون. فالمناصب، مهما علت، لا ينبغي أن تتحول إلى مظلة للحصانة، والمال العام لا يسقط بالتقادم، ولا يضيع بالتواطؤ أو الصمت.
فالدول التي تسعى إلى التعافي من إرث الفساد لا تكتفي بإسقاط الأنظمة، بل تبدأ من حيث يجب أن تبدأ: بفتح الملفات التي أُغلقت عمدًا، وإعادة الاعتبار لحق المجتمع في المعرفة والمساءلة.




