
هشام محمد شريف
تُبنى المجتمعات في أوقات الأزمات على منظومة من القيم تقوم على التضحية، والبذل، والتكافل، وتحمل المسؤولية الجماعية. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه في واقعنا اليوم هو: هل يمكن أن ننتظر اكتمال الوعي قبل خوض المعركة، أم أن الوعي نفسه يتشكل في قلب المعركة؟ لقد جاءت الحرب قبل أن تتهيأ لها المجتمعات، ووجد الناس أنفسهم في مواجهة واقع لم يختاروا زمانه ولا ظروفه. لذلك لم يعد أمامهم سوى أن يصنعوا وعيهم وهم يواجهون تحدياته اليومية، وأن يدركوا أن الانتصار لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، وإنما ببناء مجتمع يعرف واجباته ويؤديها.
المشهد الذي نعيشه يكشف عن خلل عميق في فهم المسؤولية. فكثيرون ينتظرون من قيادة الدعم السريع أن تتولى وحدها معالجة جميع الأزمات، بدءًا من توفير الغذاء والدواء، وانتهاءً بتأمين السلاح والذخيرة ومتطلبات القتال. وكأن المجتمع قد أعفى نفسه من دوره، وألقى بكل أعبائه على مؤسسة عسكرية تخوض حربًا معقدة في ظروف استثنائية. والحقيقة أن أي معركة لا يمكن أن تُدار بهذا المنطق؛ فالجندي لا يستطيع أن ينتصر إذا تُرك وحده، بل يحتاج إلى مجتمع كامل يسانده، يزرع ويعلّم ويعالج ويدعم ويحمي الجبهة الداخلية.
إن الحروب ليست مسؤولية المقاتلين وحدهم، وإنما مسؤولية مجتمع بأكمله. للطبيب دوره، وللمعلم رسالته، وللتاجر مسؤوليته، وللمزارع إسهامه، ولكل فرد موقع يمكن أن يقدّم من خلاله ما يعزز صمود المجتمع. وكلما اتسعت دائرة المشاركة، ازدادت قدرة المجتمع على الصمود، بينما يؤدي الاتكال وانتظار الحلول الجاهزة إلى إضعاف الجميع وإطالة أمد المعاناة.
ومن أخطر ما يواجه أي مجتمع في زمن الحرب أن يتحول الفساد إلى سلوك اعتيادي. فعندما تصبح المصالح الشخصية مقدمة على المصلحة العامة، وعندما تتحول أدوات الصراع إلى وسيلة للكسب، فإن الخطر لا يعود قادمًا من الخارج وحده، بل ينشأ من الداخل أيضًا. إن المجتمعات التي تسمح للفساد بأن يتغلغل في مفاصلها تضعف قدرتها على مواجهة التحديات، لأن الانتصار يحتاج إلى الثقة والانضباط والالتزام، لا إلى المساومات والمكاسب الفردية.
كما أن الحروب لا تُكسب بالسلاح وحده، بل تُكسب أيضًا بالأخلاق. فالمجتمع الذي يفقد قيم التكافل والإيثار والتراحم يفقد أهم عناصر قوته. حين يكون الجار محتاجًا ولا يجد من يقف إلى جانبه، أو يكون المقاتل في الميدان محرومًا من أبسط أشكال الدعم، فإن الأزمة لا تكون في نقص الإمكانات فقط، بل في تراجع الإحساس بالمسؤولية المشتركة. ولهذا فإن استعادة الأخلاق ليست قضية ثانوية، بل هي جزء من معركة الصمود نفسها.
إن الوعي الحقيقي أثناء الحرب يعني أن يدرك كل فرد أن مصير المجتمع واحد، وأن النجاة لا تكون فردية. فلا يكفي أن يؤمّن الإنسان احتياجاته الخاصة إذا كان محيطه ينهار، ولا يكفي أن يحمي منزله إذا كانت مجتمعه كله يتعرض للخطر. فاستقرار الفرد مرتبط باستقرار الجماعة، وقوة المجتمع تبدأ من قوة الروابط التي تجمع أفراده.
ومن هنا فإن المطلوب ليس انتظار المبادرات من الآخرين، وإنما المبادرة من كل موقع. يمكن لكل حي أن ينظم جهودًا للتكافل، ولكل أسرة أن تسهم في دعم المحتاجين، ولكل فرد أن يؤدي دوره بما يستطيع. كما أن مقاومة الفساد تبدأ من رفض ممارسته أو التستر عليه، لأن أي مجتمع يتسامح مع الفساد يضعف نفسه بنفسه.
وفي الوقت ذاته، ينبغي إحياء قيم الصبر، والكرم، والشجاعة، والإيثار، والعفو، باعتبارها ممارسات يومية وليست مجرد شعارات تُرفع في المناسبات. فالأمم التي تحافظ على منظومتها الأخلاقية في أوقات الشدة تكون أكثر قدرة على تجاوز المحن وإعادة بناء نفسها بعد انتهاء الصراعات.
إن المعركة في جوهرها ليست مواجهة عسكرية فحسب، بل هي أيضًا معركة وعي، ومعركة قيم، ومعركة قدرة على الحفاظ على تماسك المجتمع. فالانهيار الأخلاقي يقود في النهاية إلى انهيار سياسي وعسكري، بينما يشكل الوعي والمسؤولية والتكافل أساس أي مشروع للصمود والانتصار.
إن المستقبل لا يصنعه انتظار الفرج، وإنما يصنعه العمل والمسؤولية والإيمان بأن التغيير يبدأ من المجتمع نفسه. فكل فرد قادر على أن يكون جزءًا من الحل، وكل خطوة في اتجاه الإصلاح، ومقاومة الفساد، وتعزيز التكافل، تمثل لبنة في بناء مجتمع أكثر قدرة على مواجهة التحديات واستعادة ما فقده.
إن بداية التغيير ليست غدًا، ولا عند الآخرين، وإنما تبدأ من الإنسان نفسه، ومن إدراكه أن مسؤولية حماية المجتمع وبنائه لا تقع على عاتق فئة واحدة، بل هي مسؤولية الجميع.




