
عماد أغبش
لم يعد الملف الكيميائي مجرد حزمة من الشائعات التي تذروها الرياح، أو اتهامات عابرة يجري تفنيدها خلف الكواليس، أو بيانات بروتوكولية تُنشر لتطوى في أدراج النسيان؛ بل تحول اليوم إلى حبل يضيق ببطء، ولكن بثبات صلب، حول عنق سلطة بورتسودان، وتحديداً حول خيارات القيادة التي توهمت طويلاً أن الآلة العسكرية وحدها كفيلة بصياغة الواقع، وأن الحقائق يمكن طمسها تحت غبار المعارك، أو أن الصمت الدولي صك مفتوح الأجل. وما كشفته المنصات الإعلامية الرصينة، وما تواترت المصادر الرسمية الأمريكية على تأكيده، لا يمثل عقوبة عابرة أو مناورة دبلوماسية مؤقتة، بل هو منعطف تاريخي حاسم في تعاطي المجتمع الدولي مع الأزمة السودانية، والبداية الفعلية لمرحلة جادة تؤكد أنه لا أحد فوق ميزان العدالة، ولا حصانة لمسؤول مهما تضخمت ترسانته أو تمدد نفوذه.
وعلى مدار أشهر مضت، تلاحقت التقارير وتواترت شهادات الناجين، وتجمعت الأدلة الدامغة من الميدان لتؤكد استخدام غاز الكلور ومواد أخرى محرمة دولياً في عمليات القصف، ورغم لجوء سلطة بورتسودان إلى الإنكار المطلق ووصف الأدلة بـ “المزاعم المفتعلة”، إلا أن المنطق المادي للحقائق كان أقوى من محاولات التعتيم. لقد منحت واشنطن مهلة زمنية كافية امتدت لثلاثة أشهر، واشترطت بوضوح تقديم تسهيلات لفرق التفتيش الدولية المستقلة لزيارة المواقع وإثبات العكس، وتحديد مصادر تلك المواد ومساراتها، غير أن الاستجابة انحصرت في التسويف والاشتراطات التعجيزية، والرفض المبطن لتحقيق نزيه لا يخضع للوصاية؛ فلم تجد الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بداً من إعلان الحقيقة الموثقة بأن ثمة استخداماً لأسلحة محرمة، وأن الطرف المسؤول يرفض المساءلة، وبالتالي فإن العقوبات الحازمة باتت المسار الحتمي لوقف هذا التدهور الأخلاقي والعسكري.
ويخطئ من يقرأ القرار الأمريكي الأخير بوصفه مجرد بيان إنشائي بلا مخالب، إذ إن التداعيات الهيكلية لهذا القرار مصممة لتفكيك القدرة على الاستمرار خارج مظلة القانون الدولي من خلال هندسة سياسية صارمة لـ “تجفيف المنابع”؛ وتشمل بتر الدعم التقني واللوجستي وحظر توريد المعدات العسكرية والأنظمة الأمنية، وعزل التنسيق الاستخباراتي بقطع قنوات تبادل المعلومات، فضلاً عن الشلل المالي والمؤسسي بفرض فيتو ضد أي قروض أو مساعدات من المنظمات المالية الدولية، وصولاً إلى الحصار السيادي الجوي والبحري بتقييد حركة الطائرات والسفن. هذه ليست عقوبات شكلية بل هو حصار فعلي يقطع الشرايين الحيوية التي كانت السلطة تعتمد عليها، ويكشف للجميع أن العزلة تحولت من سياق التهديد الشفهي إلى واقع ملموس ومطبق.
إن الدرس الكبير الذي يعيد التاريخ السوداني كتابته بدموع أبنائه ودماء ضحاياه، هو أن السلاح قد يمنح السيطرة المادية المؤقتة، لكنه يعجز تماماً عن توليد الشرعية السياسية أو الأخلاقية، فيمكنك فرض الإرادة قسراً على العُزّل، لكنك لا تملك القدرة على تزييف وعي العالم أو إجبار الحقائق التاريخية على الانصياع لأهوائك. واستخدام السلاح الكيميائي ليس هفوة تكتيكية أو خطأً حسابياً في معركة، بل هو جريمة ضد الإنسانية مكتملة الأركان، تنتهك أقدس المواثيق وتستهدف الفئات الأكثر هشاشة من مدنيين ونساء وأطفال، وإن محاولات التبرير أو الصمت النفعي ليست إلا مشاركة مستترة في الجريمة، ودليلاً على مقايضة دماء الشعب وسمعة الوطن بمكاسب سلطوية زائلة، في رسالة واضحة بأن القانون الدولي لا يخضع لأهواء القادة، والعدالة وإن تأخرت لا تموت.
إن السودان اليوم ليس في مواجهة بين دولتين، بل هو في مخاض بين تيارين: تيار يريد إبقاء البلاد رهينة للصراعات والانتهاكات الجسيمة، وتيار يسعى لاستعادة مكانة السودان الطبيعية بين الأمم كدولة تحترم عهودها وتحمي إنسانية مواطنيها، والإمعان في النفي لن يفك الحصار، بل سيعمق العزلة ويجعل كلفة الحلول المستقبلية باهظة؛ والخروج من هذا النفق المظلم يتطلب جُرأة سياسية ترتكز على خطوات فورية تبدأ بالامتثال للتحقيق الدولي وفتح المواقع أمام المفتشين، والمحاسبة الداخلية الصارمة بتقديم المتورطين للعدالة بصرف النظر عن رتبهم، مع تفكيك الترسانة المحرمة فوراً، والبدء في جبر الضرر وتعويض المتضررين لإنقاذ ما تبقى من سمعة الدولة وثقلها الإقليمي.
ونقولها اليوم بيقين قانوني وسياسي لا يتزعزع: إن عهد التمادي قد انقضى، وزمن الحصانة السيادية المفرطة ولى إلى غير رجعة، ولا يمكن اختطاف مستقبل السودان ليكون رهينة لخيارات عسكرية خاطئة، ولا ينبغي للشعب السوداني أن يدفع فاتورة أخطاء من يعتقدون أن الدولة ضيعة خاصة؛ فالقرار الأمريكي رسالة واضحة لجميع الفاعلين بأن القانون الدولي يعلو ولا يُعلى عليه، وحماية المدنيين خط أحمر لا يقبل المناورة، وحقوق الضحايا لا تسقط بالتقادم ولا تُمحى بالتهرب. وإلى أبناء شعبنا الصابر في كل شبر من أرض الوطن: إن ليل الظلم حتماً إلى زوال، والعدالة وإن تباطأت خطواتها قادمة، وستظل راية السودان سامقة، نظيفة، ترفعها سواعد الشرفاء، لا تدنسها أسلحة محرمة، ولا تلوثها جرائم لا تغتفر.




